كتاب واراء

بين التحرير والخطاب الرسمي.. من يحاول شطب الذاكرة؟

في الدول التي تحترم تاريخها، تتحوّل لحظات التحرير إلى أعمدة ثابتة في الوعي الوطني، تُصان بالخطاب كما صينت بالدم. أمّا في لبنان، فيبدو أنّ بعض السلطة لا تزال تتعامل مع أنتصار التحرير كحدثٍ مُربك، تحاول الأقتراب منه بحذر سياسي، أو الألتفاف حوله بلغة رمادية تُفرغه من معناه الحقيقي.في ذكرى الخامس والعشرين من أيار، لم يكن اللبنانيون ينتظرون خطابا" أحتفاليا" عابرا"، بل موقفا" وطنيا" واضحا" يُعيد التأكيد أنّ هذا اليوم شكّل أحد أهم التحوّلات في تاريخ لبنان الحديث، يوم أُجبر الأحتلال الإسرائيلي على الأنسحاب من الجنوب تحت ضربات المقاومة وصمود الناس. لكن ما صدر عن نواف سلام بدا بالنسبة لكثيرين محاولة لتبريد معنى المناسبة، حين جرى أختزال ذكرى التحرير بـ(تحية للمهجّرين) ، وكأنّ القضية الأساسية لم تكن تحرير الأرض، بل مجرد مناسبة اجتماعية تُمرَّر بعبارات عامة لا تُغضب أحدا".المسألة هنا ليست تفصيلا" لغويا"، لأنّ السياسة تبدأ من اللغة. وحين يُحذف مفهوم التحرير من الخطاب الرسمي، فهذا ليس سهوا" ، بل يعكس أزمة أعمق تتعلّق بالموقف من هوية لبنان الوطنية ومن تاريخ مقاومته. فهناك من لا يزال يتعامل مع أنتصار عام 2000 كحدث يجب تخفيفه أو إعادة تدويره سياسيا" ، لأنّه ينسف سرديات الهزيمة والأستسلام التي حاول البعض تكريسها لعقود.إنّ تحويل ذكرى التحرير إلى مناسبة باهتة هو محاولة لإفراغ الذاكرة الجماعية من مضمونها السيادي. وكأن المطلوب من اللبنانيين أن يتذكروا الألم وينسوا الأنتصار، أن يحفظوا صورة التهجير ويتجاهلوا صورة الدبابة الإسرائيلية وهي تنسحب مذلولة من الجنوب. وهذه ليست مصادفة، بل جزءٌ من خطابٍ سياسي يريد للبنان أن يبقى معلّقا" بين الخوف والتسويات، لا بلدا" أستطاع أن يفرض معادلة التحرير بالقوة والصمود.من حق اللبنانيين أن يختلفوا سياسيا"، لكن ليس من حق أحد أن يُعيد صياغة التاريخ وفق حساباته الخاصة. فالتحرير ليس وجهة نظر، وليس ملفا" قابلا" للتفاوض الإعلامي. إنه حقيقة كُتبت بدماء المقاومين والأهالي والأسرى والشهداء، وحُفرت في وجدان شعبٍ دفع أثمانا" هائلة كي يستعيد أرضه وكرامته.وحين تصبح السلطة عاجزة حتى عن تسمية التحرير بأسمه، يصبح السؤال أكبر من خطابٍ عابر، أي دولة يُراد للبنان أن يكون؟ دولة تحفظ ذاكرتها الوطنية، أم سلطة تخشى حتى الأعتراف بأنتصارات شعبها؟نضال عيسى


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة