كتاب واراء

ثقافة الرداءة

كتب رياض الفرطوسي تتسلل الهشاشة إلى الوعي المعاصر كأفعى ناعمة الملمس، خطرة الأثر. في الفضاء العربي، الذي يغلي على صفيح من الأزمات الوجودية والتحولات المتسارعة، يقف "نجم الشاشة" المعاصر في برجه العاجي، محاطاً بهالات الضوء الافتراضي وأرقام المتابعات، ومجرداً في كثير من الأحيان من سياقه الثقافي والتاريخي. إنها معضلة "الجهل النشط" الذي لا يكتفي بعدم المعرفة، بل يحول السطحية إلى سلعة رائجة تُباع وتُشترى في سوق الرأي العام، حيث يُقاس النجاح بمقدار الجلبة لا بعمق الفكرة.عندما سأل الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه يوماً عن التحول من "المثقف الملتزم" إلى "الإعلامي النجم"، كان يرصد بداية عصر "الميدياقراطية"، حيث تحل الصورة بدلاً من الكلمة، والمؤثر البصري بدلاً من الحجة العقلانية. هذا التحول ليس بريئاً؛ إذ ينقل النقاش العام من مساحات التحليل الرصين القائم على وثائق ومراكز أبحاث تُفند بنية الصراع، إلى حلبات أشبه بـ "مصارعة الديوك"، حيث الهدف ليس الوصول إلى الحقيقة، بل إبقاء الجمهور مشدوهاً حتى الفاصل الإعلاني القادم. في هذا المناخ، يصبح التاريخ ترفاً لا يحتمله ضيق الوقت، وتتحول الأحداث الكبرى كالغزو والحروب وتدمير الأوطان بناءً على سرديات مفبركة، إلى مجرد عناوين عابرة تُناقش بأدوات اللحظة الراهنة، مقطوعة الجذور عن مسبباتها الحقيقية.المفارقة تكمن في أن هذا الاستسهال المعرفي يتزامن مع طفرة هائلة في إنتاج المعرفة المنظمة؛ فمراكز الأبحاث والدراسات، لا سيما في منطقة الخليج العربي، أصبحت منصات عالمية تستقطب ألمع العقول وتنتج تحليلات إستراتيجية دقيقة. ومع ذلك، يظل هناك جدار سميك يفصل بين هذا الانفجار المعرفي وبين العقل المهيمن على الشاشة. يملك نجم الشاشة المعاصر فائضاً من الوقت والمال، لكنه يعاني من فقر حاد في الشغف المعرفي، فلا يكاد يطالع كتاباً أو يغوص في تفاصيل دراسة موثقة تكشف، على سبيل المثال، كيف كُتب تاريخ المفاوضات والحروب بإنصاف، وكيف تم تزييف السرديات لتبدو الضحية جلاداً والجلاد دعياً للسلام.في كتابها الشهير "عقيدة الصدمة"، تشير ناعومي كلاين إلى كيف تُستغل الأزمات لإعادة صياغة وعي الشعوب وتمرير سياسات كارثية مستفيدة من حالة التيه العام. وما يشهده الوعي العربي اليوم هو امتداد لهذه الصدمات المعرفية المتتالية التي يقودها "دواعش الفكر والاستعراض" على الشاشات، ممن يحترفون الردح والمدح المبتذل، ويصوغون الأخبار وفق رغبات التمويل السياسي أو السعي وراء الـ "تريند" الجارف. لقد تشظى الإعلام إلى محاور وصراعات إقليمية ضيقة، وتناسى بناء إستراتيجية معرفية تحمي العقل الجمعي لشباب يواجهون نسب بطالة مرعبة، وفي الوقت نفسه، ينغمسون في ثورة تكنولوجية كاسحة يقودها الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التواصل الاجتماعي.إن الرهان الحقيقي لا يسقط بالضرورة عند أقدام الممول أو سلطة المؤسسة الإعلامية، بل يتوقف على "أخلاقيات المهنة" وفردية الصحفي. فالمؤسسة الواحدة، بالتمويل والموجّهات السياسية نفسها، قد تحتضن الغث والسمين، والصحفي الحقيقي هو من يملك بوصلة قيمية تمنعه من استغفال الجمهور أو التنازل عن رصانته الأدبية والمعرفية؛ إذ تظل حرية الكلمة ومسؤوليتها خياراً شخصياً ينبع من وعي الكاتب وثقافته، لا من حجم راتبه أو شروط رب العمل. وبدون هذه الصحوة الثقافية داخل غرف الأخبار، سيبقى الفضاء العربي مستهلكاً لذكاء الآخرين، غارقاً في ردود الفعل، وتابعاً لسرديات تُصنع في مختبرات السايبر والذكاء الاصطناعي وراء البحار، بينما تكتفي شاشاتنا بإعادة تدوير رداءتها المتقنة.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة