عندما لا تكفي اليد الممدودة، درس التفاوض من جنوب لبنان.
منذ أن رضخت السلطة اللبنانية للضغوط الدولية وذهبت إلى طاولة التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، كان الرهان معلناً، وقف إطلاق النار مقابل التنازلات السياسية والأمنية. لكن ما حدث على الأرض كشف معادلة بسيطة ومؤلمة، التفاوض وحده لا يوقف النار، والوعود الأمريكية لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.ذهبت السلطة الرسمية إلى التفاوض تحت عنوان وقف التصعيد، وقدمت ما طلب منها من تسهيلات وتنازلات في الملفات الأمنية والسياسية. كان المنطق المعلن أن الأنخراط في المسار الدبلوماسي سيحرج واشنطن ويدفعها للضغط على تل أبيب. لكن الواقع كان معكوساً. الآلة العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف ساعة واحدة. القصف على القرى الحدودية أستمر، والأستهدافات توسعت، والرسالة كانت واضحة. التفاوض مع الضعيف لا يعني التوقف، بل يعني التقدم أكثر لنيل المزيد من الأرباح أمام خصم ضعيف.راهنت السلطة على الدور الأمريكي كضامن لإلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار. واشنطن وعدت، وتحدث مبعوثوها عن تفاهمات قريبة، وعن ضغط سياسي واقتصادي على تل أبيب. لكن عندما حان وقت الأختبار، تبخرت الوعود.بل أكثر من ذلك كانت الوقاحة الأميركية على قدر الأنبطاح اللبناني فقال سفير الوقاحة الأميركي ميشال عيسى إسرائيل لن تنسحب من القرى التي تتواجد فيها. في مقابل تلك الوقاحة ،لم تصدر واشنطن أي أمر فعلي بوقف النار، ولم تلوح بعقوبة واحدة على حكومة نتنياهو. على العكس، أستمر تدفق السلاح والدعم السياسي في مجلس الأمن. الدرس هنا ليس جديداً. أمريكا لا تضغط على إسرائيل إلا إذا شعرت أن كلفة أستمرار الحرب أعلى من كلفة إيقافها. وهذا لا يحدث إلا أمام قوة ميدانية تفرض المعادلة كما تفعل المقاومة اليوم .ما رفضته إسرائيل على طاولة المفاوضات مع السلطة اللبنانية، عادت لتتعامل معه عندما واجهت مقاومة منظمة تملك القدرة على الرد والإيلام. تاريخ الجنوب منذ 2000 وحتى اليوم يؤكد أن تل أبيب لا تفهم لغة البيانات والأستنكار واللقاءات المغلقة. هي تفهم لغة الصواريخ التي تصل إلى عمقها، والمسيرات التي تخترق أمنها، والقتلى الذين لا يمكن إخفاؤهم.العدو لا يجلس للتفاوض لأنه يحب السلام. العدو يأتي للمفاوضات في حالتين فقط عندما يخسر عنصر المباغتة ويدفع ثمناً باهظاً على الأرض.عندها فقط تتحول الوعود الأميركية من كلام للأستهلاك الإعلامي إلى إتصالات حقيقية لوقف النار لأنقاذ حليفتها إسرائيل من الخسائر. أو كما يحصل اليوم عندما يخرق الوحدة الوطنية وينقسم البلد بين فريق مقاوم وفريق يعتقد بأن التنازل تحت القصف والقتل سيحقق السلام مع عدو قاتل وغادر فيستغل الخسارة الميدانية ليعوضها بقرار سياسي لبناني بفرض السلام ليعري المقاومة من الحاضنة السياسية .تجربة لبنان الأخيرة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. كلما أعتقدت السلطة أن التنازل والتفاوض المباشر سيمنحها حماية دولية، وجدت نفسها وحدها أمام نيران لا تتوقف. الثابت الوحيد الذي لا يمكن تجاوزه مع هذا العدو، القوة هي المدخل الوحيد للتفاوض. ومن لا يملكها على الأرض، لا يملك صوتاً على الطاولة.نضال عيسى
أضيف بتاريخ : 2026-05-19 11:25:21 |