فمن سيلوم إيران؟
... بوصلة المواقف ...حين يشتكي بعض المسؤولين في مطار بن غوريون أن الولايات المتحدة، قد حولت المطار إلى ما يشبه القاعدة العسكرية ومركزاً ضخماً للدعم اللوجستي وتخزين المعدات، فإنهم لا يتحدثون فقط عن ازدحام في المدارج أو تراجع في كفاءة الرحلات المدنية، بل يقرّون بحقيقة استراتيجية بالغة الأهمية: عندما تتحول المنشآت المدنية إلى جزء من البنية العسكرية، فإنها تصبح تلقائياً أهدافاً محتملة في أي حرب مقبلة.المطار الذي أُنشئ لاستقبال المسافرين والسياح والتجار، يصبح في لحظة ما محطةً لنقل الأسلحة والذخائر وقطع الغيار والقوات. وحين يحدث ذلك، يفقد صفته المدنية البحتة، ويدخل في الحسابات العسكرية للطرف المقابل. وإذا كان المسؤولون في إسرائيل يدركون هذه الحقيقة ويخشون من أن يؤدي هذا الاستخدام إلى جعل المطار هدفاً مشروعاً في حال اندلاع مواجهة مع إيران، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من سيلوم إيران إذا تعاملت مع هذه المنشآت على أساس دورها الفعلي؟إيران، شأنها شأن أي دولة ترى نفسها في حالة صراع أو مواجهة، تنظر إلى المواقع بحسب وظيفتها، لا بحسب أسمائها. فالاسم مطار مدني لا يغير شيئاً إذا كان الواقع يشير بأنه يؤدي دوراً عسكرياً مباشراً. والمخازن اللوجستية التي تزود الجيوش، ومراكز النقل التي تستقبل المعدات العسكرية، تصبح جزءاً من شبكة العمليات وليست مجرد منشآت محايدة.لكن القضية لا تتوقف عند حدود إسرائيل. فهناك دول كثيرة في المنطقة والعالم تستضيف قواعد أجنبية أو تفتح أجواءها وموانئها ومطاراتها أمام الاستخدام العسكري لقوى كبرى. وقد لا يملك بعضها القدرة السياسية أو السيادية الكاملة للاعتراض أو قول لا. وهكذا تتحول أراضيها، شاءت أم أبت، إلى حلقات في سلاسل الصراع الدولي والإقليمي.والأخطر من ذلك أن شعوب هذه الدول قد تجد نفسها في قلب معادلات لا ناقة لها فيها ولا جمل. مطارات مدنية، موانئ تجارية، ومستودعات خدمية قد تتحول إلى أهداف بسبب قرارات اتخذها آخرون. وعندما تقع المواجهة، يكتشف المواطن العادي أن البنية التي ظنها لخدمته أصبحت جزءاً من حرب لم يخترها.إن التاريخ الحديث مليء بالأمثلة التي تؤكد أن استخدام الأراضي والمنشآت المدنية لأغراض عسكرية يجعلها عرضة للمخاطر. وهذه ليست مسألة عاطفية أو سياسية فحسب، بل قاعدة معروفة في التفكير العسكري والاستراتيجي. فمن يضع السلاح في منشأة مدنية، أو يستخدمها في الإسناد العسكري، يتحمل مسؤولية تغيير طبيعتها ووظيفتها.ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يركز فقط على ردود الفعل المحتملة، بل على الأسباب التي أدت إلى تحويل المنشآت المدنية إلى أدوات ضمن منظومات عسكرية. فإذا كانت دولة ما تسمح أو تُجبر على استخدام مطاراتها وموانئها لهذا الغرض، فإنها تدخل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في دائرة المخاطر.ومن سيلوم إيران إذا نظرت إلى هذه المنشآت باعتبارها جزءاً من البنية العسكرية المعادية؟ وهل يُلام الطرف الذي يقرأ الواقع كما هو، أم الطرف الذي غيّر طبيعة المنشآت المدنية وحمّلها أدواراً تتجاوز وظيفتها الأصلية؟السؤال الأعمق ليس من سيُلقي اللوم، بل من يتحمل مسؤولية تحويل حياة المدنيين ومرافقهم الحيوية إلى أوراق في لعبة الصراعات الكبرى. فعندما تتداخل الحدود بين المدني والعسكري، يصبح الجميع أمام واقع جديد: المنشآت التي يُفترض أن تكون جسوراً للحياة قد تتحول إلى ساحات مواجهة، وعندها لن يكون اللوم مجدياً بقدر ما تكون العبرة في فهم عواقب القرارات التي تُتخذ باسم الأمن والسياسة والنفوذ.بقلم جليل هاشم البكاء
أضيف بتاريخ : 2026-05-17 09:45:19 |