كتاب واراء

الغدير بوصلة الأصلح

كتب رياض الفرطوسي لم يكن مشهد غدير خم مجرّد بروتوكول وداعي لرسولٍ يشعر بدنو أجله، بل كان زلزالاً فكرياً استهدف تفكيك العقلية القَبَلية التي طالما حكمت حركة التاريخ، وإرساء معيار دائم لا يضلّ. هناك، في هجير الصحراء، صعد النبي الأكرم منصة الأقتاب (منبر مرتفع صُنِع من رحال وأخشاب الجمال ليراه الحاضرون) ليمهد لفلسفة حكم جديدة كلياً، فلسفة لا تُقاس بعدد السيوف أو بحجم الثروات، بل بـ "النوعية الإنسانية". حين رفع النبي يد علي بن أبي طالب ( ع )، لم يكن يقدّم رجلاً يمتلك القرابة والنسب فحسب، بل كان يقدّم ركناً للتواضع، والسماحة، والفكر، والزهد الذي يرى في السُلطة مجرد نعلٍ بالٍ إن لم تُقم حقاً أو تَدفع باطلاً. لقد أراد الرسول في ذلك اليوم الصادم أن يضع بين يدي الأمة أداة التوجيه الأبدي، ليكون الغدير هو المختبر والمعيار الذي نتعلم منه كيف نختار الأصلح؛ ذلك الأعلم والأكثر ورعاً وتدبيراً، والأنقى يداً، والأقرب إلى نبض الفقراء والمهمشين.والأمة اليوم، وهي تعيش سُباتاً عميقاً وتراجعاً مخيفاً على الكثير من الصعد، تسقط سقطة مروعة في أخطر اختبار يواجه المجتمعات البشرية: موقع الحكم والمسؤولية في إدارة شؤون الناس. إن الفضيحة الحقيقية للوعي المعاصر تكمن في الفجوة الهائلة بين الشعارات المرفوعة في ذكرى الغدير وبين الواقع السياسي والاجتماعي المأزوم؛ حيث تحولت المناصب السياسية إلى مغانم شخصية وعائلية، وحيث يُستباح قوت الفقراء باسم الانتماء. هذا التناقض الصارخ يضرب في صميم قلب الأمة، ويحيل المناسبة من محطة لإنتاج "القيادة الواعية" ذات الرؤية والبصيرة النافذة، إلى مجرد تخدير عاطفي وطقوس مكررة تبرر الفشل وتشرعن التراجع.حين تتواجه الذاكرة التاريخية مع هذا الواقع، يبرز الغدير في مدونات التراث من تاريخ الطبري وبلاغات اليعقوبي، وأنساب البلاذري، لا كحدث عابر، بل كمفترق طرق بنيوي صاغ العقل السياسي العربي وهندسة الخلافة. هذا النزوع نحو العدالة المطلقة والزهد في بريق السلطة تجسّد حياً في خطب "نهج البلاغة" وشروحات ابن أبي الحديد، حيث تتحول الرئاسة إلى مسؤولية أخلاقية صارمة تحاسب الحاكم على لقمة الفقير. ولم يكن هذا الإرث حكراً على القراءات الكلاسيكية؛ إذ أعاد طه حسين في رائعته "الفتنة الكبرى" قراءة هذه اللحظة بوعي نقدي عقلاني يبرز فرادة علي الأخلاقية، في حين صهرها جورج جرداق في أطروحته "صوت العدالة الإنسانية" ليرفعها من سياقها المذهبي الضيق إلى فضاء كوني يلتقي مع أعمق فلاسفة الحق والإنصاف في العالم. إنها ذات الرؤية الثورية التي التقطها علي شريعتي حين دعا إلى بعث "الحقيقة الغائبة" لعلي لإنقاذ الوعي الاجتماعي من التكلس.هذا العمق لم يبقَ حبيس القراءات الشرقية؛ بل إن الاستشراق الأكاديمي الرصين، كما في الأطروحة العميقة لويلفرد مادلونغ "خلافة محمد"، أعاد تفكيك البيئة السياسية لتلك الحقبة ليؤكد بطلان التفسيرات السطحية، معيداً للغدير ثقله التاريخي كإعلان صريح لولاية ذات جدارة معرفية وأخلاقية استثنائية. تلتقي هذه الدراسة مع الرؤية الحضارية الواسعة لمارشال هودجسون في "مغامرة الإسلام"، لتقدم الغدير بوصفه الوصفة النبوية الاستباقية لحماية الأمة من التيه والمصير المجهول الذي ينتج حتماً عندما يُسلّم الزمام لغير أهله، أو لمن يفتقدون للضمير واليد النظيفة.المسار الحتمي للنجاة والخروج من نفق التراجع المعاصر لا يمر عبر البكائيات، بل عبر صدمة المراجعة الشاملة التي تفرض على القيادات السياسية ومؤسسات الدولة وكوادرها الكف عن الاختزال الموسمي للغدير، وتحويله بدلاً من ذلك إلى مرآة قاسية تضع ممارسات الحكم تحت مقصلة الفحص والتقييم. إن إسقاط معايير الصحراء الحارقة على واقع الإدارة اليوم يستوجب شجاعة في تقديم الكفاءة على الولاء، والنزاهة على المصلحة الضيقة. وبدون هذا التحول البنيوي الذي يترجم قيم الزهد والإنصاف إلى برامج عمل ملموسة تخدم الفرد والمجتمع، ستبقى الأمة تراوح في عجزها وتيهها، ترفع شعار الغدير بيد، وتهدم أسسه باليد الأخرى.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد