كل أموي دموي وليس كل دموي أموي
... بوصلة المواقف ...ليست كل جريمة سياسية امتدادًا مباشرًا للتاريخ الأموي، لكنّ كل مشروع أموي يحمل في داخله بذور الدم، لأنّ جوهره يقوم على السلطة المجردة من القيم، وعلى تحويل الإنسان إلى رقم يمكن التضحية به من أجل العرش أو النفوذ أو الهيمنة. ومن هنا يمكن القول إنّ كل أموي دموي، وليس كل دموي أموي.فالدموية قد تكون ناتجة عن طمع، أو خوف، أو جنون قوة، أو نزعة استعمارية، أو مصالح اقتصادية، لكنّ الأموية ليست مجرد ممارسة عنيفة، بل هي عقلية كاملة تقوم على تبرير العنف وإلباسه ثوب الشرعية، حتى يصبح القتل سياسة، والخداع حكمة، وإسكات المعارضين ضرورة من ضرورات الدولة.إنّ التاريخ لا يُقرأ بالأسماء فقط، بل بالعقليات التي تتكرر عبر العصور. فحين يتحول الحاكم إلى مركز للكون، ويصبح الإعلام أداة لتزييف الوعي، وتتحول الشعوب إلى وقود لمعارك النفوذ، فإننا أمام نسخة حديثة من العقلية الأموية، حتى لو تغيّرت الملابس واللغات والأعلام.وعندما ننظر إلى شخصيات معاصرة مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، فإنّ المقصود ليس إجراء مقارنة تاريخية حرفية، بل الحديث عن نمط سياسي يقوم على صناعة الخوف، واستثمار الدم، وتحويل الأزمات إلى فرص للهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية.فترامب، بخطابه الصدامي والشعبوي، حاول أن يقسم العالم إلى معسكرات متصارعة، وأن يجعل القوة هي اللغة الوحيدة المفهومة. أما نتنياهو، فقد بنى جزءًا كبيرًا من مشروعه السياسي على استمرار التوتر والحروب وإبقاء المنطقة في حالة اشتعال دائم، لأنّ الحروب بالنسبة لبعض الساسة ليست فشلًا، بل وسيلة للبقاء في السلطة.وهنا يظهر الفرق بين الدموي والأموي. فقد يكون هناك حاكم دموي يرتكب الجرائم بدافع الانتقام أو الجنون أو الخوف، لكنه لا يمتلك مشروعًا فكريًا متكاملًا لتسويغ الدم. أما الأموي، فإنه يحوّل الدم إلى ثقافة، ويقنع الناس بأنّ القمع ضرورة، وأنّ الضحية هي المذنبة، وأنّ المعترض خائن، وأنّ المصلحة العليا تبرر سحق البشر.ولهذا بقيت الأموية رمزًا يتجاوز الزمن. فهي ليست مرحلة تاريخية فحسب، بل منهج يتكرر كلما تحالف المال مع السيف، والإعلام مع السلطة، والمصلحة مع الكذب. وقد تتغير الأسماء من يزيد إلى غيره، لكنّ الفكرة تبقى واحدة: حكم يقوم على إخضاع الإنسان لا احترامه.إنّ أخطر ما في المشاريع الدموية الحديثة أنها لا ترفع السيف دائمًا بشكل مباشر، بل تستخدم الاقتصاد والعقوبات والإعلام والتجويع والحصار والتحريض النفسي. فالقتل لم يعد فقط بالرصاص، بل قد يكون بإفقار الشعوب، أو إشعال الفتن، أو تحويل الإنسان إلى كائن خائف فاقد للأمل.ولذلك فإنّ مواجهة العقلية الأموية لا تكون فقط بإدانة شخص أو نظام، بل ببناء وعي أخلاقي يرفض تبرير الظلم مهما كان صاحبه، ويرفض تحويل السياسة إلى تجارة بالدماء. فكل عصر قد يُنتج طغاته، لكنّ الشعوب الواعية وحدها القادرة على منع تحوّل الطغيان إلى ثقافة دائمة.بقلم جليل هاشم البكّاء
أضيف بتاريخ : 2026-05-29 07:27:27 |