كتاب واراء

قواعد الاشتباك الدبلوماسي.. كيف تفرض إيران شروط الانتصار في مفاوضات اللحظات الأخيرة؟

كتب #حسين_مرتضىوسط أجواء بالغة الحساسية والتعقيد، وفي ظل استمرار المواجهات الميدانية، لا تزال المفاوضات السياسية غير المتبلورة بين طهران وواشنطن تراوح مكانها دون التوصل إلى اتفاق نهائي بعد. إن القراءة المتأنية للمشهد الراهن تؤكد أن أي تطور قد يحدث في اللحظات الأخيرة سيكون أكثر حسماً من كل ما مضى، خاصة مع استمرار التوجس الإيراني من تراجع أمريكي محتمل؛ تراجعٌ تفرضه الكلفة السياسية والجيوسياسية الباهظة التي سيتكبدها ترامب وإدارته في حال القبول بالهزيمة، فضلاً عن الغضب الإسرائيلي الواضح والسعي المحموم لمنع طهران من تحقيق أي مكاسب استراتيجية تخرج بها أقوى مما كانت عليه قبل الحرب.إن ما يجري اليوم ليس بحثاً عن "اتفاق" بل هو معركة لتثبيت "مبادئ وقواعد" إيرانية صارمة لا تقبل التنازل، وهي وحدها الكفيلة بتحويل أي مسار سياسي محتمل إلى وثيقة انتصار تاريخي.معادلة مقلوبة: بناء الثقة أولاً دون التزامات نوويةلقد نجحت إيران بحكمة قيادتها العليا في فرض شكل جديد للحوار فرضاً تاماً؛ حيث تقوم المعادلة على أن تبادر الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لبناء الثقة، دون أن يقابل ذلك أي التزام إيراني في المجال النووي سوى "قبول التفاوض اللاحق". لقد أسقطت طهران المقاربة الأمريكية التي حاولت دمج الملفات (النووي، مضيق هرمز، وغيرها) في سلة واحدة، معلنةً بصوت واضح: لا حديث في الملف النووي قبل التنفيذ الكامل والترتيب الذي ترتضيه لإجراءات بناء الثقة الخمسة.الخماسية الحاكمة: شروط طهران لرسم ملامح المنطقةتتمثل المبادئ الخمسة التي تشكل الممر الإلزامي لأي تفاهم مستقبلي في الآتي: أولاً: وقف شامل للعمليات العسكرية: إنهاء الحرب على كافة الجبهات، وفي مقدمتها الجبهة اللبنانية، حيث يشكل موقف حزب الله وسماحة الشيخ نعيم قاسم المعيار والفيصل في هذا الشأن، مع إلزام أمريكا بدور الضامن للسلوك الإسرائيلي. ثانياً: فرض الترتيبات الإيرانية في مضيق هرمز: لن يعود المضيق إلى سابق عهده، بل سيخضع لبروتوكول إيراني-عُماني يحدد مسارات الملاحة، ويفرض تكاليف الخدمات، ويمنع أي شحنات تهدد الأمن القومي الإيراني، مما يشكل اعترافاً عاجزاً من واشنطن بالواقع الجيوسياسي الجديد. ثالثاً: رفع الحصار البحري: عودة حركة الملاحة والتجارة في الموانئ الإيرانية إلى طبيعتها الكاملة كما كانت قبل تاريخ 13 أبريل. رابعاً: الإفراج الفوري عن الأصول المجمدة: تحرير مليارات الدولارات دون أي تأخير زمني، وإيداعها في الحسابات التي تحددها طهران (وهو ما تم بحث ترتيباته خلال الزيارات الدبلوماسية الأخيرة إلى قطر). خامساً: تعليق العقوبات النفطية: ضمان حرية تصدير النفط الإيراني بالكامل وتجميد كافة العقوبات المرتبطة بالنقل والتأمين طوال فترة المفاوضات اللاحقة.ما بعد بناء الثقة: المفاوضات المؤجلة وصراع الإراداتإذا ما نُفذت هذه الشروط الخمسة ونالت الرضا الإيراني الكامل، عندها فقط يمكن الانتقال إلى المرحلة التالية لبحث الملف النووي، وهو مسار محكوم بخطوط حمراء صارمة تجاه التخصيب والمواد النووية، ولا يمكن التنبؤ بنتائجه مسبقاً. أما ملفات التعويضات ورفع بقية العقوبات، فقد أُرجئت إلى طاولة المفاوضات النهائية.إن المشهد الحالي يمثل انقلاباً تاريخياً في أدوار القوة؛ فبعد عقود كانت أمريكا هي من تطالب إيران بإجراءات بناء الثقة، أصبحت واشنطن اليوم -بفعل انكسارها في الميدان- هي المطالَبة بتقديم هذه التنازلات.ختاماً، يجب التأكيد على أن إيران لا تزال واقفة في موقع الثبات؛ فإن قَبِل العدو بهذه المبادئ فذاك إنجاز، وإن رفض فالحرب مستمرة. وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق، فلن يكون محطة للاستسلام، بل هو تكتيك استراتيجي لتوفير الوقت والموارد، والإعداد لمرحلة جديدة من المواجهة والمقاومة الأكثر بطولة أمام العدو.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد