كتاب واراء

من الردع إلى الاستنزاف: كيف قلبت إيران معادلة المواجهة؟

`د. محمد حسين سبيتي` *مع انتهاء المهلة الدستورية التي أتاحت للرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ عمل عسكري ضدّ إيران من دون إعلان حرب رسمي، بدأت تتكشّف تدريجيًا صورة أكثر عمقًا لما يمكن وصفه بـ"النتائج الاستراتيجية المعاكسة" للحرب، وهي نتائج لا تُقاس فقط بحجم الضربات أو الخسائر المباشرة، بل بمدى التحولات التي أصابت مكانة الولايات المتحدة ونفوذها في الإقليم والعالم. فبعيدًا عن الخطاب الدعائي الذي حاول تصوير المواجهة باعتبارها استعراضًا للقوة الأميركية، فإن القراءة الهادئة لمواقف مراكز الأبحاث الغربية الكبرى تكشف أن واشنطن دخلت الحرب وهي تسعى إلى إعادة فرض الردع، لكنها خرجت منها وقد أضافت أعباءً جديدة على موقعها الدولي، ودفعت خصومها إلى مزيد من التماسك وإعادة التموضع.**فعلى المستوى القانوني والسياسي،* واجهت الإدارة الأميركية انتقادات غير مسبوقة من دوائر أكاديمية ودبلوماسية غربية اعتبرت أن الحرب افتقرت إلى الغطاء القانوني الدولي، وأنها جاءت خارج إطار الشرعية الأممية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة صورة الولايات المتحدة كقوة تستخدم تفوقها العسكري لفرض الوقائع بالقوة، لا عبر المؤسسات الدولية. ولم يكن هذا التآكل في الشرعية محصورًا بالخصوم التقليديين لواشنطن، بل امتد إلى حلفاء غربيين أبدوا تحفظًا واضحًا على النهج الأميركي، خصوصًا في ظل المخاوف الأوروبية من انفجار شامل في الشرق الأوسط يهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل التجارة الدولية.*وفي السياق الجيوسياسي،* بدا واضحًا أن الحرب لم تنجح في احتواء إيران أو تقويض نفوذها الإقليمي، بل دفعتها إلى تسريع عملية إعادة التموضع الإستراتيجي شرقًا، نحو الصين وروسيا، ضمن رؤية تقوم على فك الارتباط التدريجي بالنظام المالي والتجاري الذي تقوده واشنطن. وهنا تبرز أهمية مشاريع مثل ممر "شمال – جنوب" الذي تسعى طهران من خلاله إلى بناء مسارات تجارية بديلة تربط الخليج وآسيا الوسطى وروسيا والهند بعيدًا عن الهيمنة الأميركية التقليدية على الممرات البحرية العالمية. وهذا التحول لا يحمل بعدًا اقتصاديًا فقط، بل يعكس نشوء محور جيوسياسي جديد يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى الدولية خارج المنظومة الغربية.*أما إقليميًا،* فقد كشفت الحرب أن إيران نجحت في تحويل نقاط ضعفها التقليدية إلى عناصر قوة. فبدل أن تؤدي الضربات إلى تفكيك بنيتها العسكرية والسياسية، أظهرت طهران قدرة عالية على امتصاص الصدمة عبر ما يمكن تسميته بـ"استراتيجية التحمّل الطويل"، أي إدارة النزاع بطريقة تستنزف الخصم سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا مع مرور الوقت. وقد أدركت واشنطن أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لا تشبه الحروب التقليدية التي خاضتها سابقًا، لأن إيران لا تعتمد على مركزية عسكرية جامدة يمكن شلّها بضربة واحدة، بل على شبكة واسعة من البنى اللامركزية والوحدات المتعددة القادرة على مواصلة العمل حتى في ظل الضربات المكثفة. وهذه العقيدة، التي طوّرتها طهران منذ عقود تحت ضغط العقوبات والتهديدات، جعلت فكرة "قطع الرأس" أو إسقاط القدرة القتالية الإيرانية خلال أيام أقرب إلى الوهم الإستراتيجي.*ومن أبرز التداعيات* التي ظهرت أيضًا أن الوجود العسكري الأميركي في الخليج تحوّل من عنصر ردع مطلق إلى عنصر مكلف ومعقّد سياسيًا وأمنيًا. فإيران استطاعت أن تفرض معادلة مفادها أن أي تصعيد ضدها سيجعل القواعد الأميركية والمنشآت الحيوية في الخليج ضمن دائرة الخطر المباشر، ما دفع العديد من الدول الخليجية إلى إعادة التفكير بهوامش علاقتها الأمنية مع واشنطن. ولم يعد السؤال في العواصم الخليجية يدور فقط حول الحماية الأميركية، بل حول كلفة التحالف مع الولايات المتحدة في حال تحوّلت المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة.*وفي الجانب الاقتصادي* العالمي، أثبتت الحرب هشاشة النظام الطاقوي الدولي أمام أي اضطراب في الخليج. فمجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه كان كفيلًا بإرباك الأسواق ورفع أسعار النفط والتأمين البحري عالميًا، ما أظهر أن إيران ما تزال تمتلك أوراق ضغط إستراتيجية قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، حتى تحت أقسى العقوبات. وهذه النقطة تحديدًا جعلت كثيرًا من مراكز التفكير الأميركية تعتبر أن الحرب لم تؤدِّ إلى تعزيز الاستقرار، بل إلى إنتاج بيئة أكثر هشاشة واضطرابًا على المدى المتوسط والبعيد.*أما داخليًا،* فإن الحرب منحت القيادة الإيرانية فرصة لإعادة إنتاج التماسك الوطني عبر استنهاض الحس القومي والدفاعي. ففي لحظات التهديد الخارجي، تراجعت الانقسامات الداخلية نسبيًا أمام خطاب "الدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية"، وهو ما منح النظام الإيراني قدرة إضافية على تجاوز ضغوطه الاقتصادية والاجتماعية. وغالبًا ما تؤدي الحروب الخارجية في الدول ذات البنية العقائدية إلى نتيجة عكسية، إذ تتحول من أداة لإضعاف السلطة إلى عامل لتوحيد الشارع خلفها، وهو ما بدا واضحًا في الحالة الإيرانية خلال فترة المواجهة.*في المحصلة،* قد تكون واشنطن قادرة على الادعاء بأنها حققت إنجازات عسكرية أو تكتيكية محدودة، إلا أن الصورة الإستراتيجية الأشمل توحي بأن الحرب أطلقت مسارات جديدة لم تكن الولايات المتحدة ترغب في تسريعها؛ من تعميق التقارب الإيراني الروسي الصيني، إلى تصاعد الشكوك الإقليمية بالحماية الأميركية، وصولًا إلى تعزيز فكرة الانتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب. ولذلك، فإن ما جرى لم يكن مجرد مواجهة عسكرية عادية، بل محطة مفصلية كشفت حدود القوة الأميركية عندما تواجه خصمًا يمتلك قدرة عالية على الصمود، وإدارة الاستنزاف، وتحويل الضغط الخارجي إلى فرصة لإعادة التموضع الإستراتيجي.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد