مستحيل أن يكون القرار لبنانيًّا وفيه دعوة إلى نزع سلاح المقاومة ... بوصلة المواقف ...
حين يُقال إن قرار نزع سلاح المقاومة هو قرار لبناني خالص، فإن هذا القول يصطدم بجدار الواقع والتاريخ والمنطق. فلبنان الذي عاش عقودًا تحت تهديد الاحتلال والاعتداءات والحروب، يعرف جيدًا أن المقاومة لم تنشأ بوصفها مشروعًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفها ضرورة وطنية فرضتها ظروف العدوان، وحاجة شعب أراد أن يحمي أرضه وكرامته عندما عجز العالم عن حمايته.من غير المعقول أن يكون القرار لبنانيًا حقًا، ثم يتطابق حرفيًا مع ما يطالب به العدو نفسه. فالجهة التي لا تتوقف عن انتهاك السيادة، وتحتل الأرض، وتهدد بالقصف والدمار، وتملك أحدث أنواع الأسلحة، هي ذاتها التي تطالب بتجريد اللبنانيين من عنصر القوة الوحيد الذي فرض عليها حسابًا وتوازنًا. فإذا ارتفعت أصوات داخلية تردد هذا المطلب نفسه، فإن السؤال الطبيعي هو: هل هذا صوت المصلحة الوطنية، أم صدى لإرادة خارجية تريد للبنان أن يبقى مكشوفًا وعاجزًا؟كيف يُطلب من ابن البلد أن يسلّم سلاحه، بينما سلاح المحتل ما زال حاضرًا في الجو والبحر والبر، يهدد متى شاء ويعتدي متى أراد؟ وكيف يُراد للمواطن أن يثق بوعود المجتمع الدولي، بينما أثبتت التجارب أن البيانات لا توقف الطائرات، وأن القرارات الدولية لا تمنع القنابل، وأن الضمانات السياسية لا تحمي الأطفال من النار؟إن المطالبة بنزع سلاح المقاومة في ظل استمرار الاحتلال والتهديد والعدوان ليست دعوة إلى بناء الدولة كما يروّج البعض، بل دعوة إلى نزع عناصر الردع وترك الوطن تحت رحمة القوة الغاشمة. فالدولة القوية لا تُبنى بإزالة أسباب القوة، بل بتكامل مؤسساتها مع كل عناصر الحماية الوطنية التي أثبتت فعاليتها في الدفاع عن الأرض والإنسان.ولو كان القرار قرار الشعب اللبناني بكل أطيافه، لكان منطلقه الأول هو كيفية حماية لبنان من العدوان، لا كيفية تحقيق ما يريده المعتدي. ولَكان السؤال المطروح هو: كيف نمنع الحرب؟ لا كيف نُسقط وسائل الردع؟ وكيف نصون السيادة؟ لا كيف نُضعف من دافع عنها؟الحقيقة أن هذا الطرح لا يعكس بالضرورة إرادة شعب كامل، بل قد يعبر عن مصالح أفراد وجماعات ارتبطت حساباتهم السياسية أو الاقتصادية أو الإقليمية بمشاريع التطبيع والتبعية، أو راهنت على رضا القوى الخارجية أكثر من رهانها على قوة الوطن ووحدة أبنائه. وهؤلاء، مهما ارتفعت أصواتهم، لا يستطيعون أن يحتكروا تمثيل اللبنانيين أو أن يصادروا ذاكرة شعب يعرف من حرر الأرض ومن دفع الدم دفاعًا عنها.القرار اللبناني الحقيقي هو القرار الذي ينطلق من مصلحة لبنان وسيادته وأمنه، لا من مطالب المحتل ولا من رغبات داعميه. والقرار الوطني الصادق لا يمكن أن يطالب بتجريد الوطن من عناصر قوته، فيما العدو يزداد تسلحًا وغطرسة وعدوانًا.لذلك، فإن القول إن الدعوة إلى نزع سلاح المقاومة هي قرار لبناني خالص يتجاهل حقيقة واضحة: ما ينسجم مع مصلحة المحتل لا يمكن أن يُقدَّم على أنه تعبير نقي عن إرادة الشعب. فالقرار الذي يطالب بإضعاف المدافع عن الأرض، ويترك المعتدي مسلحًا حتى الأسنان، ليس قرار وطن، بل قرار مصالح ضيقة تتقاطع مع إرادة الخارج أكثر مما تتقاطع مع وجدان الناس وتاريخهم وتضحياتهم.بقلم جليل هاشم البكاء
أضيف بتاريخ : 2026-05-14 08:55:20 |