كتاب واراء

نعمة افرام.. أيقونة الشراكة والوطنية العابرة للاصطفافات

*بقلم: ناجي علي أمهز*إنَّ هذا المداد الذي أسكبه اليوم ليس للدفاع عن النائب نعمة افرام، فهو القامة المارونية الراسخة التي لا تذروها رياح العبث الاعلامي والسياسي، بل هو شهادة للتاريخ وللحقيقة في وجه التزييف؛ شهادةٌ لرجلٍ أرسى دعائم تيار سياسي إنمائي، لم يكن يوماً فئوياً أو محصوراً في إطارٍ ضيق، بل جعل من "اللبنانية" الجامعة هويته، ومن مختلف الطوائف –وفي طليعتهم المكون الشيعي– شركاء حقيقيين في القرار، وفي تقاسم رغيف الكرامة والوطن، إيماناً منه بأن التعايش ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هو ممارسة يومية تتجلى في حزبه، وبيئته، وسلوكه السياسي الرصين.إن "آل افرام" أرومةٌ ضاربة في عمق التاريخ اللبناني، وهم أكبر وأسمى من أن يجرؤ أحدٌ على منحهم صكوكاً في الوطنية أو شهادات في العيش المشترك، لأنهم هم "الأصل" ومنبع هذه القيم المتجذرة. وما تاريخ الراحل الكبير الوزير جورج افرام إلا سفراً من العطاء، وإنجيلاً وقرآناً في ميثاق التعايش والوحدة، حيث كانت بصماته البيضاء في احتضان المكون الشيعي ومساندته أوسع من أن يحيط بها بيان، وأعظم من أن تُختصر في سطور؛ فكانت أياديه ممدودة بالخير في كل الربوع، لا يحكمها ميزانٌ إلا ميزان الإنسانية والمواطنة الصالحة.إن النائب نعمة افرام، الذي يمتلك من الحضور الشعبي ما يجعله قادراً على قيادة كبرى الكتل النيابية، يترفع بفروسية وطنية، وثقافة أرستقراطية، وتواضعٍ جم، عن لغة التجييش الطائفي أو استثارة العصبيات المذهبية؛ فهو يدير بوصلته بميزان الذهب، حريصاً على التوازنات الوطنية الدقيقة، ومحترماً لخصوصيات العائلات والقرى في بلاد جبيل وكسروان بمنتهى الأنفة والتقدير. ورغم أن الجماهير تدفعه دفعاً نحو الصدارة، إلا أنه يحجم ترفعاً عن المنافسة على المناصب، واضعاً نصب عينيه واجبه المقدس تجاه وطنه وشعبه، متمسكاً باستقلاليةٍ صلبة وقناعاتٍ لا تزحزحها الإغراءات، معتزاً بإرثه الماروني الأصيل الذي يشع من لبنان إلى أصقاع العالم.في مدرسة آل افرام، "لا تعرف اليمين ما تنفق الشمال"، حيث العطاء الصامت والمساعدات التي تتخطى ميزانيات مؤسسات سياسية وإعلامية كبرى، دون تفرقة بين مسيحي ومسلم؛ لتصل أياديهم البيضاء إلى قلب الكنيسة المارونية عالمياً وإلى المحتاج في أقاصي القرى اللبنانية، مما جعل حتى الخصوم والحاسدين يقفون إجلالاً أمام جودهم وكرمهم ودورهم الوطني العظيم. كما لا ينسى التاريخ والشعب اللبناني وقفة الوزير جورج افرام في أحلك الظروف، حين انتصب كالسد المنيع مدافعاً عن حقوق اللبنانيين ومواجهاً نزيف الدولة المالي، غير آبهٍ بالأثمان السياسية أو الشخصية، فكان "سادن الأمانة" الذي آثر الإقالة من وزارته في التسعينيات على التفريط بمقدرات الوطن في وجه سياسات الوصاية.إن ما يُروج اليوم من شائعات وتخرصات تطال النائب نعمة افرام، هو محض افتراء لا يقبله عقلٌ سليم ولا يستقيم مع الحقيقة بصلة. وإنني، ورغم مطالباتٍ ملحة من أصدقاء مسيحيين وشيعة للرد على ما يتعرض له سعادة النائب، قد تريثتُ بانتظار موقفٍ رسمي منه؛ إذ حاشا لنا، أنا أو غيري من الذين يجلّون هذا الدور الوطني، أن ننفي أو نناقش تهمةً لا وجود لها في الأصل، ولا تتقاطع مع الواقع في أي نقطة. ولكن، وأمام ما نشهده، نجد أنفسنا كبيئة شيعية نعاني من نكبة وجودية وفكرية جراء بروز لفيفٍ من الدخلاء والمنظرين الطارئين على مجتمعنا وأعرافنا، ممن يجهلون كنه التعايش اللبناني الفريد، فأغرقوا الساحة بجهلهم، وتحولوا في "عصر التفاهة" إلى أبواق تنظير وشيزوفرينيا سياسية، أدخلتنا في صراعات وجودية مع المجتمعين العربي والدولي، ووضعونا في حالة قطيعة وطنية، وكأنهم يبتغون عزل المكون الشيعي عن محيطه الطبيعي وشركائه في المصير.هذه الوجوه التي ظهرت في غفلة من الزمن، تسببت بأزمة بنيوية عبر خطاب "تهريجي" يفتقر لأدنى مقومات الحكمة، في وقتٍ يتم فيه تغييب الأصوات الرزينة. لقد وصل الأمر ببعض رجالات الفكر والكنيسة المارونية للتساؤل بحسرة: "لو كان الشيعة يريدون لغة العقل، لاحتضنوا الأصوات الوطنية التي تدعو للوحدة، عوضاً عن تصدير من يحرض ويقسم". إن ما يحدث اليوم هو نوع من الانتحار السياسي؛ فالاختلاف في السياسة هو جوهر الديمقراطية، ولكن بسبب دفاع بعض الجهلة عن الشيعة بلغة ركيكة وأسلوب تخويني غير حضاري، أوقعوا الطائفة في أزمة وطنية حادة. ففي الولايات المتحدة مثلاً، يجيش الحزب الديمقراطي ضد الجمهوري ورئيسه ترامب بسبب حربه على ايران، فهل يجرؤ الحزب الجمهوري على اتهام خصومه بالعمالة للإيرانيين أو الشيعة؟ بالطبع لا، فليست هكذا تدار السياسة، ولا هكذا يُصنع الإعلام والرأي العام.إن الحفاظ على لبنان يمر عبر استعادة لغة العقل التي يمثلها نعمة افرام وأمثاله من الرموز الوطنية، وعبر تصحيح المسار داخل بيتنا الداخلي، بعيداً عن الاستنزاف في معارك إعلامية فارغة تُهدر تضحيات المقاومين وتبدد صمود الناس. إننا اليوم بأشد الحاجة إلى الاعتراف بأن قوة لبنان في تنوعه وشراكته الحقيقية ليس بما يشاع، وإلا فإن كل الكلام لن يجدي نفعاً أمام خطر الانهيار الذي يهدد الجميع دون استثناء.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد