عواقب الاقتراب من إيران والابتعاد عنها ... بوصلة المواقف ...
في عالم السياسة لا تُقاس العلاقات بين الدول بعدد الاتفاقيات ولا بحجم التبادل التجاري فحسب، بل بما تتركه من أثر في كرامة الشعوب واستقلال قراراتها. وعند التأمل في تجارب الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، يبرز سؤال جوهري: ماذا يحدث للدول التي تقترب من Iran؟ وماذا تكون عواقب الابتعاد عنها والانخراط الكامل في المنظومات الدولية التي تقودها القوى الكبرى؟الواقع السياسي المعاصر يبين أن الاقتراب من إيران ليس خيارًا بلا ثمن. فمن يختار بناء علاقة وثيقة معها يجد نفسه غالبًا تحت ضغوط سياسية وإعلامية واقتصادية كبيرة، وقد يتعرض للعقوبات أو للعزلة أو لحملات التشويه، لأن هذا الخيار يُنظر إليه من قبل بعض القوى الدولية والإقليمية باعتباره خروجًا عن دائرة النفوذ التقليدية ورفضًا لمنطق التبعية. إلا أن أنصار هذا النهج يرون أن الثمن الذي يُدفع يقابله مكسب أكبر يتمثل في تعزيز الاستقلال السياسي، وتنمية القدرات الذاتية، وترسيخ شعور وطني بالعزة والاعتماد على النفس.لقد واجهت إيران نفسها عقوبات طويلة وضغوطًا متواصلة، لكنها تمكنت من تطوير صناعاتها المحلية وتقنياتها في مجالات متعددة، وأصبحت في نظر مؤيديها نموذجًا لدولة فضلت تحمل الصعوبات على التخلي عن قرارها السيادي. ومن هذا المنظور، فإن الاقتراب منها يعني قبول طريق شاق، لكنه طريق يمنح الشعوب شعورًا بأنها تدافع عن مصالحها بإرادتها، لا بإملاءات الآخرين.وفي المقابل، قد يبدو الابتعاد عن إيران والانخراط الكامل في التحالفات الدولية خيارًا أكثر سهولة وراحة. فالأبواب تنفتح، والاستثمارات تتدفق، والعلاقات مع القوى الكبرى تمنح الدول دعمًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا مهمًا. لكن منتقدي هذا المسار يرون أن الاعتماد المفرط على الخارج قد يضعف استقلال القرار الوطني، ويجعل بعض الدول أكثر حساسية تجاه الضغوط الدولية وتغير المصالح العالمية.ومن أبرز الأمثلة التي تُطرح في هذا السياق دول الخليج العربية، ومنها السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، وباستثناء سلطنة عمان كنموذج منفرد. فعلى الرغم من الثروات الهائلة والمشاريع العمرانية الضخمة ومستويات الرفاه العالية، يرى هذا الطرح أن أمن هذه الدول واستقرارها الاستراتيجي يعتمدان بدرجات متفاوتة على الشراكات والتحالفات الخارجية، ما يجعل مسألة السيادة والاستقلال محل نقاش دائم.وهنا تبرز المفارقة بين نموذجين مختلفين: نموذج يقبل العقوبات والضغوط في سبيل بناء قوة ذاتية مستقلة، ونموذج يحقق ازدهارًا اقتصاديًا كبيرًا لكنه يرتكز على شبكة واسعة من الضمانات الدولية. وبين النموذجين يبقى السؤال الأساسي: هل تُقاس قوة الدولة بحجم ثروتها ومشاريعها، أم بقدرتها على اتخاذ قرارها الوطني بحرية كاملة؟إن الكرامة، وفق هذا التصور، تعني أن تتحمل الدولة نتائج مواقفها وأن تبني قوتها بجهدها الذاتي، حتى لو واجهت تحديات قاسية. أما الإذلال فيتمثل في أن تصبح الثروة والقرار السياسي مرهونين بحسابات القوى الخارجية ومصالحها المتغيرة. فالدولة التي تملك المال من دون استقلال قد تبدو قوية من الخارج، لكنها تبقى معرضة للاهتزاز كلما تبدلت موازين القوى الدولية.وتقدم تجارب العراق، سوريا ولبنان أمثلة معقدة على أثر التنافس الإقليمي والدولي في تشكيل مصير الدول، وتوضح أن جوهر القضية لا يكمن في القرب من هذا الطرف أو ذاك، بل في مدى قدرة الدولة على الحفاظ على إرادتها الوطنية وعدم تحويل تحالفاتها إلى شكل من أشكال الارتهان.وفي نهاية المطاف، فإن عواقب الاقتراب من إيران والابتعاد عنها تُقدَّم في هذا الطرح بوصفها مقارنة بين ثمن المواجهة وثمن التبعية، بين طريق صعب يرى أصحابه أنه يحفظ الكرامة، وطريق مريح ظاهريًا قد يحد من الاستقلال إذا تحول إلى اعتماد كامل على الخارج. والتاريخ يعلم أن الأمم التي تمتلك قرارها، وتبني قوتها بإرادة شعوبها، هي الأقدر على حماية مستقبلها وصون عزتها مهما اشتدت الضغوط وتعاظمت التحديات.بقلم جليل هاشم البكاء
أضيف بتاريخ : 2026-05-12 07:26:09 |