كتاب واراء

وقع الانفصال اللبناني.. حينَ تهاجرُ الأوطانُ منْ سُكّانِها

*بقلم: ناجي علي أمهز*يخطئُ من يقرأ الأوطان كلحظةٍ عابرة أو مجرد جغرافيا عارضة، فالأوطانُ في جوهرها هي "تراكمُ أحلامٍ" وصيرورةُ أمان، وحين يتصدعُ هذا الأمانُ الروحي، يصبح الانفصالُ قراراً كيانياً يسبقُ أي إجماعٍ وطني أو هيكليةِ دولةٍ متهالكة. نحن اليوم أمام مشهدٍ تراجيدي، حيث يبدو أن المسيحيين قد قرروا الانكفاء إلى "جغرافيا الروح" والخصوصية، بعدما أدركوا أن "لبنان الكبير"، تلك المقامرة التاريخية الجميلة، قد اصطدمت بصخرةِ واقعٍ لم يكن في الحسبان. لقد كان المسيحيون في صبيحة 1920 يراهنون على "جنةٍ إنسانية" ونموذجٍ فريد للتعايش يتجاوزُ ضيقَ الطوائف إلى رحابِ الإنسان أمام الله، معتقدين أن أزماتِ المنطقة، وعلى رأسها مأساة فلسطين، ستجدُ طريقها للرخاء والسلام عبر حلولٍ تضمنُ استقرار الحلم. لكن الرياح التكتونية للمشرق عصفت بهذا الرهان، ليجد المسيحي نفسه اليوم أمام مراجعةٍ قاسية لخطيئتين تاريخيتين؛ خطيئة قبول "اتفاق القاهرة" الذي شرّع الأبواب للعواصف، وخطيئة الاستنجاد بالخارج لترميم ما انكسر، لتنتهي الرحلة بخسارةٍ مدوية للسلطة في "اتفاق الطائف"، ونزيفٍ ديموغرافي حاد أخرج ثلثهم في رحلة شتاتٍ بلا عودة.هذا الماروني، الذي شادَ أعمدة الاستقلال في زمنٍ كان فيه الآخرون يتيهون في غياهب الانتماءات العابرة للحدود بين تركيا وسوريا، يجدُ نفسه اليوم مستسلماً لمرارة الواقع بعد قرنٍ من المحاولات المضنية للحفاظ على وطنٍ للأقليات المعرضة للزوال.الماروني هو الذي بذر بذور المؤسسات، وشرّع الحريات الصحافية في إقليمٍ يعشق الصمت، يقرر اليوم في ظل التحولات الكبرى أن يحفظ ما تبقى من "الخصوصية المسيحية" في هذا المشرق العربي الذي لفظ أبناء دينه من القدس وبغداد ودمشق وعمان، ولم يبقَ لهم ملاذ إلا هنا. إن هذا الانغلاق ليس مجرد هروبٍ كما يتوهم البعض، بل هو اعترافٌ علني بانكسار "الشراكة الوجودية" مع الشريك الشيعي؛ فبينما كان الماروني يرى في الشيعي رفيقاً في الكيان حتى الموت، قرر الشيعي أن يموت من أجل قضايا كونية وأيديولوجيات تتجاوز حدود لبنان، ما دفع الماروني للانسحاب بعيداً عن جغرافيا لم يعد يجدُ فيها صدىً لنفسه ولا أماناً لمجتمعه. المسيحي اليوم لا يريد أن يحاكم الشيعي على صوابية خياراته أو خطئها، بل يقول له بلسان الحال: "تعال يا أخي لنذهب إلى الحياد"، ففي الحياد يمكنني مقاسمتك الرغيف والمأوى مهما اشتعلت المنطقة، أما في الحرب فأنت تُقتل وتقتلني معك، وأنا أعرف هذا العالم وقسوته، والمعرفةُ في أحيانٍ كثيرة هي التي تجلب الخوف.من هنا، تصبح تهمة "العمالة" التي تُلصق باليمين المسيحي جرحاً نازفاً في كرامتهم الوطنية؛ فالمعارضةُ الشرسة لحروبِ الشيعة ليست خيانة، بل هي صرخةُ شقيقٍ يرى شقيقه يدمرُ مستقبله المشترك. العميل هو من يغدرُ بالخفاء، أما من يصرخُ في وجهك علانيةً خوفاً على المصير، فهو يمارسُ قمة الصدق الوطني. المسيحيون اليوم يعادون حتى أولئك المسيحيين "الشخصانيين" الذين يرون الوطن حصصاً على مقاس أطماعهم، لا كراهيةً فيهم، بل بحثاً عن طوق نجاةٍ لما تبقى من لبنان. إن المعضلة تكمن في تصادم فلسفتين: فلسفة "الاستشهاد" التي هي عماد الوجود الشيعي ويُفاخر بها، وفلسفة "إرادة الحياة" التي يتمسك بها المسيحي. إنه صراعٌ بين روحين؛ روحٌ بطبيعتها لا تتحمل كل هذا الوجع الذي تحتمله الطائفة الشيعية. يقول أحدهم بمرارة: "أموتُ مئة موتة حين أشاهد وجوه الشباب وهي تُزفُّ شهداء، فأخاف على ابني حتى ذاك الذي يعيش في أوروبا. إنه شعورٌ مؤلم يجعلني أتساءل طيلة يومي: كيف وليش ولماذا؟ وما هو الثمن؟ إنني بصدق وبعيدا ان كانت الحرب فلسطينية اسرائيلية او ايرانية اسرائيلية امريكية، بل لو كانت حرب لبنانية اسرائيلية خالصة لستُ مستعداً للتضحية "بخاروف" لأجل زعماء يحكموننا منذ نصف قرن وهم يعيشون وكانه لا شيء يحدث حولهم، فكيف أضحي بابني وعلى أي شيء؟". هذا التباعد في فهم "معنى الحياة" يخلقُ خوفاً وجودياً ورغبةً في الانفصال عن حلقة الموت والحزن.لقد بات المسيحي يخشى أن يتخذ العدو من الوجود الشيعي ذريعةً لتحويل كل مناطق لبنان إلى جغرافيا للدمار والقلق. المسيحي الذي استقتل يوماً من أجل حقوق الشريك الشيعي المدنية والسياسية، فعل ذلك لأن الشيعي كان يشكل عامل استقرار وقوة للأقليات، أما اليوم فقد اختلف كل شيء. حتى في رحاب الكنيسة، يتساءلُ الكهنوت بمرارة عن محاولات استفزاز الوجدان المسيحي عبر نشر صور تدنيس المقدسات من قبل جنود اسرائيليين، وكأن هذا النشر وسيلةٌ لاستدراجهم نحو القتال أو وصمهم بالجبن. إن هذا التصرف اعتداءٌ يفوق اعتداء الاسرائيلي نفسه، لأنه يتجاهل أن المسيحية قامت على "فلسفة الصليب" والمظلومية، وعلى كلمات يسوع الخالدة: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ". المسيحي يحمل صليبه ليكون نوراً وسلاماً، لا أداةً للضرب، فالحروبُ والمسيحيةُ خطان لا يلتقيان أبداً.وفي الختام، يهمسُ لي أحدهم وكأنه يعتذرُ عن فشلٍ جماعي: انظر إلى نفسك أيها "الملاك اللبناني" الذي نصفه من ثلجٍ ونصفه من نار، يا من يحمل عقلاً مارونياً في جسدٍ شيعي. لقد أفنيت ثلاثين عاماً في ترميم جسور الحوار والدفاع عن التعايش، وبدل أن يستفيد العقل الشيعي من نتاجك المعرفي الذي رفع الحجة عن عشرات الألوف ممن يعيشون معاً، تم تهميشُ صدقك لصالح فرض القوة والأسماء الموالية دون نظرٍ في النتائج. كما وكأنه يحذرني: "إن الحقيقة انهم يستصغرون النتاج الفكري ان لم يصدر عنهم ويستخفون بغيرهم، وهذا مرض الانا مرعبٌ". اليوم، ينطلق المسيحيون، أبناء الإرساليات والرهبنة والعلمانيين، في مسارهم الخاص، ينهضون اقتصادياً وعلمياً، مستندين إلى ثقافةٍ لا تهتم بما في جيوب الآخرين بقدر ما تهتم بما في عقولهم وقلوبهم من معرفةٍ وأمان. لقد تلاشت أوجه التشابه، وبلغ الاغترابُ مداه، وكأن لسان حالهم يقول اعتذاراً وشكراً لكل من حاول، لكن الحقيقة الكاملة هي أننا لم نعد نشبه بعضنا إلا في الحد الأدنى؛ فسلامٌ على لبنان الذي كان، وسلامٌ على حقيقةٍ لم تعد تحتمل التأويل.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد