مرحلة “عضّ الأصابع” في هرمز: من يملك قرار البحر؟
كتب الاعلامي حسين مرتضىتدخل منطقة الخليج اليوم مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن كل ما سبقها. لم يعد الأمر مجرد رسائل متبادلة أو استعراضات عسكرية محدودة، بل باتت المنطقة تعيش ما يمكن وصفه بمرحلة “عضّ الأصابع” بين إيران والولايات المتحدة، حيث يحاول كل طرف فرض معادلاته في واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم: مضيق هرمز.المشهد الحالي يؤكد أن المنطقة انتقلت من سياسة “التوتر المحسوب” إلى “الوضعية العملياتية الكاملة“، مع تغير واضح في قواعد الاشتباك البحرية وتراجع هامش المناورة أمام واشنطن وحلفائها.كسر الحصار بالقوة إيران اتخذت قراراً واضحاً بإنهاء مرحلة الاكتفاء بالرد السياسي أو الاقتصادي على الضغوط الغربية.ما يجري اليوم هو انتقال فعلي إلى فرض حرية الملاحة بالقوة العسكرية، عبر معادلة جديدة تقوم على الرد المباشر على أي استهداف أو مضايقة لسفنها.هذا التحول لا يتعلق فقط بحماية ناقلات النفط، بل بإعادة رسم قواعد السيطرة في الخليج.طهران تريد القول إن زمن الهيمنة الغربية المطلقة على الممرات البحرية قد انتهى، وأن أي حركة عسكرية أو بحرية في هرمز وبحر عمان باتت تخضع لحسابات الرد الإيراني.في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أمام معضلة حقيقية، إذ لم تعد أساطيلها تتحرك بالحرية نفسها التي اعتادت عليها لعقود، بعدما أصبحت ضمن دائرة الاستهداف المباشر في أي لحظة تصعيد.ترامب والسباق مع الوقت الأزمة بالنسبة لواشنطن لم تعد عسكرية فقط، بل تحولت إلى أزمة وقت واقتصاد.دونالد ترامب يواجه ضغطاً متصاعداً مع الحديث عن احتمالات اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من أزمة وقود وتداعيات اقتصادية داخلية خطيرة مع اقتراب منتصف حزيران.هذا الضغط الزمني قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى خيارات متسرعة أو غير محسوبة لمحاولة كسر الجمود وفتح الطرق المغلقة أمامها، خصوصاً إذا شعرت أن استمرار الوضع الحالي يعني تكريس صورة التراجع الأمريكي أمام إيران.وفي موازاة ذلك، تتحدث تقارير عن خسائر ميدانية وأهداف تم استهدافها خلال المرحلة الأخيرة، في وقت تحاول واشنطن التقليل من حجم الأضرار لتجنب انعكاساتها السياسية والإعلامية على صورتها أمام الحلفاء.“إسرائيل” تدفع نحو الانفجار ضمن هذا المشهد: يبرز الدور الإسرائيلي كمحرك أساسي باتجاه التصعيد.تل أبيب تعتبر أن اللحظة الحالية قد تكون فرصة استراتيجية نادرة لمحاولة ضرب البرنامج النووي الإيراني أو دفع الولايات المتحدة إلى مواجهة شاملة مع طهران.لذلك تعمل القيادة الإسرائيلية على رفع مستوى التوتر وتحويل الاشتباك البحري إلى مدخل لحرب أوسع في المنطقة.لكن المشكلة بالنسبة “لإسرائيل” أن أي مواجهة مفتوحة قد لا تبقى ضمن حدود الحسابات التقليدية، خصوصاً مع التهديدات الإيرانية بالرد بطرق “غير متوقعة” وخارج أنماط الاشتباك السابقة.رسائل الفجيرة وجاسك: التطورات التي شهدتها الفجيرة وجاسك لم تكن مجرد أحداث أمنية معزولة، بل رسائل مباشرة إلى الدول المنخرطة في المشروع الأمريكي.إيران أرادت التأكيد أن استخدام بعض الساحات الخليجية كمنصات للتصعيد ضدها لن يمر دون كلفة، وأن أمن الموانئ وخطوط الطاقة في المنطقة مرتبط بشكل مباشر بمستوى الانخراط في الصراع.وهنا تحديداً يظهر المأزق الخليجي: كيف يمكن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمارات في ظل التحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين واشنطن وطهران؟هرمز تحت الشروط الإيرانية: المؤشرات الحالية تدفع نحو سيناريو بالغ الحساسية: تحويل مضيق هرمز عملياً إلى منطقة تخضع للشروط الإيرانية، بحيث تصبح حركة العبور مرتبطة بالتفاهم مع طهران وليس فقط بالحماية الغربية التقليدية.هذا التحول، إن ترسخ، سيعني تغيراً استراتيجياً في موازين القوة البحرية والاقتصادية في المنطقة، وسيفرض واقعاً جديداً على أسواق الطاقة العالمية.الخلاصة إيران تبدو اليوم أكثر ثقة بقدرتها على إدارة المواجهة البحرية وفرض قواعد اشتباك جديدة، فيما تعيش واشنطن حالة تردد بين الرغبة في التصعيد لتغيير الواقع الميداني، والخشية من الانزلاق إلى مواجهة قد تتحول إلى هزيمة سياسية واقتصادية كبرى.المنطقة تقف إذاً أمام مرحلة شديدة الخطورة، حيث لم يعد السؤال: هل سيقع التصعيد؟ بل إلى أي مدى يمكن أن يذهب، ومن سيكون قادراً على تحمل كلفته عندما تبدأ مرحلة كسر الإرادات في مياه الخليج.
أضيف بتاريخ : 2026-05-09 19:20:22 |