إلى مَتَىَ سيبقى لغم الطائفية والمذهبية والمحاصصة مزروع تحت أقدام اللبنانيين
كتب إسماعيل النجار،إلى مَتَىَ سيبقى لغم الطائفية والمذهبية والمحاصصة مزروع تحت أقدام اللبنانيين ويقودهم إلى حرب أو أزمة طائفية كل ثلاثين عام؟!.◇طرحي هذا قائم على مبدأ أنه يفترض أن هناك “فرصًا” تاريخية واضحة ومباشرة كانت متاحة للطائفة الشيعية تحديداً لتغيير ميزان النظام اللبناني بالكامل لكنها لم تفعل ولم تحاول، لأن الواقع التاريخي أعقد بكثير من هذا التصوُر الذي يتمناه البعض.◇فلبنان لم يكن في أي من هذه المحطات الزمنية ساحة قرار داخلي خالص، بل كان دائمًا تقاطع نفوذ إقليمي ودولي، وهذا عامل أساسي يفسّر لماذا لم تُحسم الأمور جذرياً.◇أولاً؛ حرب 1975 لم يكن الشيعة حينها قوة سياسية عسكرية متماسكة كما أصبحوا لاحقاً. لأنهم كانوا في طور التشكُّل عبر حركة المحرومين، ثم أمل، بينما القوى الأساسية كانت المارونية السياسية من جهة، والحركة الوطنية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى تتحكم بكل مفاصل القرار في لبنان.◇الجنوب والبقاع كانا مهمّشين أصلا.بالتالي لم تكن هناك “فرصة جاهزة” بقدر ما كان هناك ضعف بنيوي وتدخلات سورية وفلسطينية وإسرائيلية حدّت من قدرة أي طرف لبناني على فرض نظام جديد بمفرده وجميعهم أمنوا حماية النظام السياسي اللبناني القائم على حكم الدولة المارونية العميقة!.◇ثانيًا؛ انتفاضة 6 شباط 1984 هذه كانت محطة مفصلية فعلاً، إذ سقط اتفاق خلالها إتفاق 17 أيار وتغيّر ميزان القوة في بيروت. لكن سوريا حينها كانت اللاعب المهيمن الذي حدد سقف التغيير الداخلي من دون المساس بإمتيازات الموارنة!.الشيعة وحركة أمل خصوصاً كانوا جزءاً من منظومة تحالفات، وليسوا في موقع السيطرة الكاملة وكان القرار سورياً بإمتياز.◇تم الذهاب إلى اتفاق الطائف لاحقاً هذا الإتفاق السيء الذكر الذي كرّس المناصفة والطائفية، ليس لأن الشيعة “أضاعوا فرصة”، بل لأن التسوية الإقليمية الدولية فرضت هذا الشكل كحد أدنى للاستقرار.◇ثالثاً؛ حرب 2006 صحيح أن حزب الله خرج بقوة عسكرية ومعنوية، لكنالحرب عززت موقعه في معادلة “الردع” بوجه إسرائيل لا في بنية النظام الداخلي. أي أن أي محاولة لفرض تغيير جذري في النظام كانت ستقود إلى صدام داخلي واسع ظهر جزء منه في 2008.◇البيئة الإقليمية؛ تمارس ضغط دولي، وسط انقسام عربي ولم تكن تسمح بتغيير النظام لصالح طرف واحد.◇فيبقى السؤال لماذا التمسك بالمناصفة ولمصلحة مَن؟المناصفة ليست فقط “تنازلًا”، إنما يعتبرها الغرب ضمانة استقرار نسبي في بلد متعدد الطوائف تحافظ على الوجود المسيحي في لبنان. وبدَت هذه المسألة مرتبطة إرتباطاً وثيقاً باتفاق الطائف المدعوم دولياً، وأن أي كسر له يعرّض لبنان لعزلة أو فوضى كبيرة.حتى القوى الشيعية نفسها قدّرت أن النفوذ الفعلي للطائفة إن كان سياسي أم أمني أم شعبي، أهم من تغيير الشكل الدستوري الذي قد يشعل حرباً أهلية جديدة.◇أما اليوم هل يمكن “قلب الموازين؟"الحديث عن أن طائفة يمكنها أن تحكم لبنان وحدها أو تخفّض تمثيل أخرى إلى 20% هو طرح يعتبره الغرب غير واقعي وخطير للأسباب التالية؛◇أولاً؛ لأن لبنان قائم على توازنات دقيقة، وأن أي كسر جذري لها يعيدنا إلى العام ١٩٧٥.◇التركيبة الديموغرافية والسياسية لا تسمح بإقصاء مكوّن أساسي دون رد فعل داخلي وخارجي.والمجتمع الدولي والإقليمي لن يقبل بتغيير أحادي بهذا الحجم.◇إذاً ما هو السيناريو الأكثر واقعية؟بدل من “غلبة طائفة على أخرى”، هناك مساران منطقيان فقط يعتبران المخرج السليم لإنقاذ لبنان.◇إما إستمرار النظام الحالي لكن مع تعديلات تدريجية لسنوات قادمة كما يحصل منذ الطائف يعطي كل طائفه حقها ضمن إطار وزنها الطبيعي.◇وإما الإنتقال إلى دولة مدنية حقيقية تقوم على مبدأ المواطنة بدل الطائفية وهذا يتطلب توافقاً واسعاً بين جميع اللبنانيين وضغط دولي لاستمرار لبنان، وليس قرار طرف واحد.◇إن فرض نظام سياسي مختلف في لبنان دونه ومزيج من القيود الداخلية لأسباب تركيبته الطائفية.الأمر يحتاج توافق خارجي قبل الداخلي يأتي في إطار متغيرات ظرفيه في المنطقه تترافق مع ضغوط خارجية من الولايات المتحدة الأميركية والسعودية وإيران،ويجب أن يحكم أي خطوة حسابات واقعية لتجنب أي حرب أهلية جديدةولذلك، لم يكن الخيار يوماً بين “الهيمنة أو الضعف”، بل بين تسويات ناقصة أو فوضى شاملة.◇ماذا غيّرَت الحرب الأهليه عام ١٩٧٥؟. من 1975 – 1990.التوازنات قبل الحرب كانت كالتالي؛كان عدد نواب البرلمان قبل 1992 99 نائباً 54 مسيحيين أي حوالي 54.5%45 مسلمين حوالي 45.5%.◇كانَ حينها رئيس الجمهورية ماروني ذات صلاحيات واسعة جداًرئيس الحكومة سني بصلاحيات محدودة.أما رئيس مجلس النواب الشيعي كان دوره ضعيف نسبياً ولا يمون على شيء!.أما في الجيش والإدارة كانت هناك هيمنة واضحة للنخبة المارونية،وكان موقع الشيعة فعلياً رغم أنهم كانوا أكبر طائفة ديموغرافياً بحلول السبعينيات بتقديرات غير رسمية أكثر من 33% لكنهم ذات تمثيل سياسي ضعيف، ومناطقهم مهمّشة الجنوب، البقاع،◇عام 1974 نشأت حركة المحرومين على يد الإمام موسى الصدر،وتحولت بين عامَي 1975–1978 إلى أفواج المقاومة اللبنانية (أمل) لم تفكر يوماً أن“تُحسم” قرارها بإلغاء الطائفية السياسية بالقوة؟ لأنه لم يكن هناك قرار شيعي مستقل؟◇سوريا التي دخلت لبنان 1976 حددت سقف الصراع وخط سيره بالقوة العسكرية!. بالرغم أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت لاعباً عسكرياً ضخماً إلا أنها لم تقبل بتعويم حركة أمل لأسباب سياسية وطائفية!.◇لاحقاً إجتاحت إسرائيل لبنان بطلب من اليمين المسيحي 1978 ثم 1982! فلم يطرُأ أي تغيير جذري على النظام رغم تراجع كافة القوى المناهضة للتيار الإنعزالي ، لأن الأمر كان يحتاج أيضاً توافقاً إقليمياً، وليس فقط قوة داخلية.◇ثانيًا؛ كان تاريخ 6 شباط 1984 نقطة التحول الفعلية في تاريخ لبنان،ماذا حدث في ذلك اليوم؟◇إنهيار اتفاق 17 أيار 1983 الإتفاق اللبنانيالإسرائيلي المُذِل برعاية أميركية!. ثم سيطرة حركة أمل وحلفائها على بيروت الغربيةوانسحاب القوات الأميركية (المارينز)وامقلاب ميزان القوة مع صعود واضح للقوة الشيعية.. أمل أساساً وحزب الله في بداياته،◇حينها تراجع المشروع الماروني المدعوم أميركياً، وسوريا أصبحت اللاعب الحاسم في لبنان فكانت هناك إتفاقيات ناتجة عن إنتفاضة أمل ضد نظام أمين الجميِّل،◇إسقاط 17 أيار الذي ألغى أي مسار صلح منفرد مع إسرائيل◇تم تمهيد الطريق إلى الطائف 1989،◇ثم صنع اتفاق الطائف الذي كان التسوية النهائية لإنهاء الحرب الدائرة،◇إتفاق الطائف نَصَ على أن البرلمان اللبناني أصبح 128 نائباً بدل 99.منهم 64 نائب من المسيحيين ما نسبته (50%) و64 نائب من المسلمين تمثل أل (50%) الأخرى،◇التغييرات الجوهرية التي حصلت في لبنان من خلال إتفاق الطائف، أولها تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية "الماروني" ونقل السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء وتعزيز دور رئيس الحكومة "السني"وتثبيت دور رئيس مجلس النواب "الشيعي"بشكل أقوى "ولايته 4 سنوات قابلة للتجديد المفتوح عملياًالكائف كرَّس الطائفية ولم يُلغي المناصفة لكنه قضمَ جزء مهم من إمتيازات المارونية السياسية.القرار لم يكن لبنانياً صرفاً، بل كانسورياً سعودياً أميركياً هؤلاء جميعهم رعوا إتفاق المناصفة فكان الطائف ضمانة للمسيحيين وشرطاً دولياً لإنهاء الحرب،◇الشيعة خرجوا من الحرب بـقوة عسكرية صاعدة،وتحسن لدورهم السياسي لكنه بقيَ ضمن سقف التسوية الدولية القائمة،◇ثالثاً؛ حرب عام 2006. ما الذي حصل؟.◇هي حرب بين حزب الله وإسرائيل "إستمرت لمدة 33 يومًا"نتائجها العسكرية والسياسية ضمنَتبقاء حزب الله كقوة عسكرية فاعلةضمن إطار تعزيز مفهوم “توازن الردع”.فشلت إسرائيل في القضاء على حزب الله الذي قاتل بشراسة وصَمدَ،فَ نَجَّرَ له القرار الدولي 1701 الخازوق الأكبر ومع ذلك ضغط حزب الله على جرحه وصمتَ لكي لا ينتقل الصراع آلى الداخل!. لكن قائد المقاومة أهدا النصر لجميع اللبنانيين.هذا التواضع لم ينفع مع صهاينة لبنان الداخليين، وإهداء النصر لم يشفع للمقاومة، ما الذي حصل؟ ماذا تغيّر داخليًا؟.◇إتخذت الحكومة بتاريخ ٥ أيار ٢٠٠٨ قراراً بسحب شبكة الإتصالات من الأراضي اللبنانية، وحصل صدام عسكري انتهى باتفاق الدوحة.الذي استكمل تنجير الخازوق للشيعة القبول بانتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وتشكيل حكومة 16 للأكثرية و11 للمعارضة (ثلث معطل)و3 لرئيس الجمهورية!.هنا حصل تحول مهم الشيعة مع حلفائهم حصلوا على قدرة تعطيل القرار الحكومي، مقارنةً بين المراحل الثلاث الضعيفة الماضية.◇دائماً كان الشريك الدولي دوره حاسم فلماذا لم يحدث “قلب كامل للنظام”؟أولاً؛ العامل الخارجي من عام 1975–1990 سوريا إسرائيل أميركابعد 2006: ضغط دولي وانقسام عربي،ثانياً؛ العامل الداخلي وتركيبة لبنان؛لا يمكن لأي طرف أن يحكم وحده دون حرب أهلية تتبعها تفاهمات،لأن أي كسر للمناصفة يعني خطر تفكك الدولة في حسابات الغرب!.ثالثاً؛ في حسابات القوة الشيعة حصلوا على نفوذ أمني عسكري كبيرووزن سياسي حاسم (الثلث المعطل) دون تحمّل كلفة تغيير النظام بالكامل،فهل يمكن تغيير النظام مستقبلًا؟نظرياً..نعم، عبر مؤتمر تأسيسيوإلغاء الطائفية السياسيةعملياً.. يتطلب توافق شيعي سني مسيحي وغطاء إقليمي ودوليالخلاصة الدقيقة لما يحصل؟أن ما حصل ليس “تفويت فرص” بقدر ما هو انتقال تدريجي من تهميش المكوِّن الشيعي (قبل 1975)إلى شراكة متقدمة (بعد الطائف والدوحة) لكن ضمن قاعدة أساسيةفلبنان لا يُحكم بالغلبة، بل بالتسويات.ويحتاج التغيير إلى سنوات لن يكون لبنان مرتاح البال فيها.
أضيف بتاريخ : 2026-05-06 06:24:23 |