كتاب واراء

بين طريق الحرب وطريق التنازل: تقاطعات السادات وعون في مقاربة “السلام المزعوم..!

أمين السكافي (لبنان - صيدا) في التاريخ السياسي للشرق الأوسط، لا تُقرأ المواقف بمعزل عن سياقاتها، ولا تُقاس القرارات فقط بنتائجها، بل أيضًا بالأدوات التي أوصلت إليها. من هنا، تبدو المقارنة بين نهج أنور السادات ونهج جوزيف عون في التعاطي مع الكيان الإسرائيلي محاولة لفهم كيف يمكن لمسارين مختلفين ظاهريًا أن يلتقيا في نقطة واحدة: السعي إلى ما يسمى“بالسلام”، ولو بثمن مختلف.السادات لم يكن رجل تسوية منذ البداية، بل رجل حرب أولًا. حين قرر خوض حرب أكتوبر 1973، لم يكن هدفه تدمير إسرائيل بقدر ما كان كسر الجمود وفرض معادلة جديدة على طاولة المفاوضات. الحرب بالنسبة له لم تكن غاية، بل وسيلة. ومن خلال هذا الخيار، امتلك ورقة قوة أساسية: استعادة جزء من الأرض، واستعادة الكرامة العربية، وفرض نفسه شريكًا لا يمكن تجاوزه. من هنا، حين فاجأ العالم بزيارته إلى القدس وخطابه في الكنيست، لم يكن ذاهبًا ضعيفًا، بل محمّلًا بنتائج حرب أعادت لمصر موقعها التفاوضي. تلك الخطوة، التي مهّدت لاحقًا لاتفاقية كامب ديفيد، جاءت بعد أن صنع لنفسه وزنًا في ميزان القوى.في المقابل، يبدو مسار جوزيف عون مختلفًا في الشكل، لكنه يلتقي مع السادات في النتيجة المرجوة. فالرئيس اللبناني أعلن بوضوح انفتاحه على خيار السلام، واستعداده للذهاب إلى أي مكان في سبيل تحقيقه. غير أن الإشكالية هنا لا تكمن في الهدف، بل في الوسيلة. إذ إن هذا الطرح يأتي في ظل غياب أوراق قوة واضحة، أو على الأقل دون توظيفها بالشكل الكافي. فلبنان، بخلاف مصر السبعينيات، يمتلك عنصرًا يمكن أن يشكل رافعة تفاوضية، وهو واقع “المقاومة”، بما تمثله من توازن ردع فعلي. لكن بدلاً من الاستثمار في هذه الورقة، يظهر الخطاب وكأنه يتجه نحو تقديم مبادرة سلام من موقع ضعف، لا من موقع تفاوضي متكافئ.وهنا يتقاطع المساران بشكل لافت. فكلا الرجلين اختار تجاوز الإطار العربي الجماعي، والانفراد بخطوة نحو العدو. السادات فعلها حين ذهب إلى القدس، ما أدى إلى قطيعة عربية مع مصر لسنوات. وعون، في حال مضى في هذا المسار، قد يضع لبنان في موقع مشابه، خصوصًا إذا جاءت الخطوة قبل تحقيق أي مكاسب ملموسة أو ضمانات لحقوق لبنان.الأخطر في هذا السياق هو البعد الرمزي والسياسي الذي قد يُستغل دوليًا. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، المعروف بسعيه لتحقيق “إنجازات إعلامية” أكثر منها سياسية عميقة، قد يرى في هذا المسار فرصة لصناعة مشهد ثلاثي يجمعه مع رئيس وزراء إسرائيل والرئيس اللبناني، كصورة تُضاف إلى سجله السياسي، بغض النظر عن مضمون الاتفاق أو مضمونه الفعلي. وهنا، يتحول السلام من عملية تفاوضية معقدة إلى حدث استعراضي.أما التقاطع الأكثر حساسية، فهو ذاك الذي لا يُراد له أن يتكرر. فالسادات، بعد توقيعه اتفاقية السلام، واجه معارضة داخلية حادة، انتهت باغتياله على يد خالد الإسلامبولي في حادثة شكّلت صدمة كبرى في العالم العربي. صحيح أن الظروف في لبنان مختلفة، ولا يمكن إسقاط التجربة المصرية حرفيًا، لكن التاريخ يعلّم أن القرارات الكبرى، حين تُتخذ خارج التوازنات الداخلية، قد تفتح أبوابًا غير محسوبة.في الخلاصة، لا تكمن المقارنة بين السادات وعون في النوايا، بل في الأدوات. الأول ذهب إلى السلام بعد أن خاض الحرب وامتلك أوراق القوة، أما الثاني فيبدو أنه يقترب من الطاولة دون أن يحمل ما يكفي من عناصر الضغط. وبين المسارين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن تحقيق سلام عادل دون قوة تفرض شروطه، أم أن الطريق إلى السلام، كما أثبت التاريخ، يمر أولًا عبر موازين القوة ؟ في النهاية وبعد بعض التقاطعات في مسار ومسيرة الرجلين فإننا لا نعتقد من خلال الفكر والإيديولوجية والتاريخ والحاضر المثقلين بالدماء والدمار بما قد يسمى سلاما بل هو في واقعه إستسلاما مزيفا بكلمة سلام وتطبيع مع عدو عقائدي حتى قيام الساعة .


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد