الإعلام الذي شوّه كلمة الشيخ قاسم وأساء لمقام رئاسة الجمهورية ووضع الشيعة بصدام مع الدولة
*بقلم: ناجي علي أمهز*ليست هكذا تُورد الإبل يا قوم، وليست هذه هي الطريقة المثلى لمخاطبة وطن يترنح على حافة السقوط والانهيار. إن ما نشهده اليوم لا يمكن تصنيفه ضمن الاختلافات السياسية المعتادة، بل إننا أمام مشهد يتسم ببالغ الخطورة، نكاد فيه نغير موقعنا التاريخي في لبنان دون إدراك للعواقب. لقد تجاوزت الأزمة الراهنة حدود النقاش حول السلاح أو تفاصيل التفاوض، ولم تعد المسألة تقتصر على من يمتلك الحق ومن يجانبه الصواب؛ الاعلام الشيعي حول الطرح من: هل يُراد للدور الشيعي أن يكون في خدمة لبنان الى دور الشيعة على حساب لبنان؟ هنا يكمن جوهر القضية، وهنا يتجلى الخطر الحقيقي.إن المشكلة الحقيقية اليوم ليست في مضامين كلمة سماحة الشيخ نعيم قاسم، بل في "الإعلام المحسوب على الساحة" الذي لم يدرك آليات تقديم خطاب سماحته، فحوّله من فرصة للحوار والمناورة السياسية إلى أزمة وجودية تضع الشيعة في مواجهة مع الدولة ومع بقية اللبنانيين في كافة مفاصل حياتهم. هذا الاعلام لا يحاور ولا يناقش، او يقدم الحلول، او اقله يجمل الافكار ويضعها في قالبها، هذا اعلام "الباذنجانيين" همهم قبض الاموال والظهور والتهرب من المسؤولية فقط. هذا الإعلام، في الأصل، غير مؤهل لإدارة الأزمات أو صناعة رأي عام وطني، بل هو إعلام يقوم على المديح و"تمسيح الجوخ" والمبالغات التي لا يتقبلها عقل. كما أنه إعلام أعجز من أن يصنع جمهوراً واعياً حوله، بل وجد جمهوراً جاهزاً فامتطى وعيه بتحليلات وقصص جعلت المجتمع الشيعي منفصلاً تماماً عن الواقع. "والدليل هو اندفاع الشيعي البسيط لنشر مواد تسيء لرئيس الجمهورية، مما قد يعرضه للمساءلة القانونية والسجن، دون أن يدرك أن تلك المؤسسات الإعلامية التي تحرضه "محصنة" بموجب قانون الاعلام، بينما هو وحده من سيدفع الثمن."والحقيقة هي أن كلام الشيخ نعيم قاسم تعرض لتحريف مقصود في النبرة والسياق بسبب إعلام يبحث عن "السبق" والإثارة على حساب الدماء والدمار. هذا الإعلام هو "رأس العلة" لأنه صوّر الموقف وكأنه صدام، بينما الحقيقة هي أن الشيخ لم ينتقد السلطة من باب التجريح، ولم يخوّن أحداً كما أُشيع، بل كان يهدف إلى لفت نظر القائمين على المفاوضات لاستثمار عوامل القوة والضغط التي توفرها المقاومة في الميدان.إن قول الشيخ: «ليعلم أصحاب السلطة أنّ أداءهم لن ينفع لبنان ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه»، هو كلام منطقي وواقعي. لكن، للأسف، تم تقديم مقدمات خاطئة له من قبل بعض "الجهابذة" في الإعلام والتحليل، مما أدخل الطائفة في معركة وطنية خاسرة بسبب تضخيم الأمور وعدم فهم آليات العمل السياسي المنسجم مع الظروف الراهنة.وحين صرّح الشيخ بأنه: «لا يمكن لهذه السلطة أن تستمر وهي تفرّط بحقوق لبنان.. وتواجه شعبها المقاوم»، لم يكن يهاجم مبدأ "التفاوض" بحد ذاته، بل كان يشير إلى القرار الصادر في 2 آذار الذي قضى بحظر المقاومة وتجريمها. وجهة نظر الشيخ هنا هي أن حظر المقاومة في هذه الظروف الصعبة يضعف الموقف اللبناني المفاوض، كون المقاومة هي "الورقة الوحيدة" المتبقية للبنان، وكان الأجدى بالسلطة استثمارها لا إلغاؤها. إن كلام الشيخ في جوهره هو مناشدة وتمنٍ على فخامة رئيس الجمهورية لكي يطالب السلطة بجمع الشعب حولها؛ فالشيخ يعترف بوجود انقسام داخلي حاد، ويتوجه للرئيس بلسان حال الطائفة: "نحن يا فخامة الرئيس بحاجة الى الوحدة رغم الصعوبات وهذا دوركم، فلا تكن مع جزء من الشعب دون البقية".لقد كان البيان صريحاً في دعوة السلطة لأن تكون: «سلطة الشعب، بالتوافق الذي بُني عليه اتفاق الطائف دستورنا الحالي». هي دعوة للالتزام بالدستور والشراكة الوطنية، لكن الفوضى الإعلامية التي يقودها هواة يسعون للبقاء في المشهد هي التي دفعت بالأمور نحو هذا النفق المظلم، وحولت الطائفة إلى حالة تبدو معزولة عن محيطها الوطني والعربي والدولي. لذا، علينا كطائفة شيعية كنا دوماً ركناً أساسياً في حماية لبنان، أن نحمل المسؤولية لهذا الإعلام المدمر الذي يحيد بنا عن مسار الشراكة ليضعنا في موقع يثير القلق لدى الشركاء؛ فالقبول المتبادل بين الطوائف ليس خياراً تجميلياً، بل هو شرط أساسي للبقاء.إن هذا الإعلام، بلهثه وراء "السبق" على حساب الطائفة، وباعتماده التضخيم والاجتزاء، أظهر الكلام وكأنه إعلان حرب داخلية، وأوقعنا في مواجهة مع جزء أصيل من وطننا بدلاً من مواجهة العدو. هذا الخطأ الاستراتيجي تتحمل تبعاته الطائفة بأكملها؛ إذ يهدد بعزل أبنائنا وتضييق الخناق على رجال أعمالنا، ويحولنا من مكون أساسي في الوطن إلى فئة مهمشة تعيش عزلة اقتصادية واجتماعية.لقد وجه الشيخ نعيم قاسم كلامه بشكل غير مباشر، لكن الإعلام حوّره ليظهر الشيخ وكأنه خصم لرئيس الجمهورية، وهذا أمر غير مقبول أبداً حتى في ظل اختلاف وجهات النظر. لقد حرف هذا الإعلام مسار الحقيقة، فبدل أن تظهر الطائفة كقوة فاعلة "داخل" الدولة، أظهرها كقوة "في مواجهة" الدولة، والفرق بين الخيارين هو الفرق بين البقاء والاندثار.المعضلة اليوم تكمن في الصورة التي نُظهرها للآخرين؛ حيث بدا الشيعة كأنهم يخوضون معركة ضد الدولة اللبنانية، وذلك في ظل حرب كونية استهدفتنا وأدت إلى سقوط أكثر من خمسين ألفاً بين شهيد وجريح، ودمرت قرانا ومؤسساتنا التعليمية والطبية. إننا نمر بأزمة وطنية حادة في إدارة الخطاب وصياغته، وهو أمر في غاية الخطورة. نحن لا نريد التفريط بتضحيات السنين، ولا نريد خسارة البيئة الوطنية التي احتضنتنا، ولا نرغب في العودة إلى زمن العزلة والتهميش. لبنان اليوم في أمسّ الحاجة إلى العقلانية والحكمة والخطاب الجامع الذي يردم الفجوات. إن لم نتدارك الأمر اليوم، فقد نربح "تصفيقاً" من عوام الطائفة، لكننا بكل تأكيد سنخسر وطناً. إن استنقاذ أنفسنا من هذا الإعلام وهذا النهج هو السبيل الوحيد لاستنقاذ لبنان.
أضيف بتاريخ : 2026-04-28 22:21:13 |