إسرائيل شر مطلق
بقلم : أمين السكافينبدأ من تلك العبارة التي لم تكن مجرّد توصيف سياسي عابر، بل كانت حكمًا أخلاقيًا وفلسفيًا أطلقه الحاضر الأكبر رغم الغياب الإمام الصدر حين قال: «نحن نعتبر إسرائيل شرًّا مطلقًا، لا أسوأ من إسرائيل في العالم. لو تصارعت إسرائيل والشيطان نقف مع الشيطان.» عبارة صادمة في ظاهرها، لكنها في عمقها أشبه بمرآة كاشفة لجوهر تجربةٍ لم تُبنَ على أرضٍ فحسب، بل على اقتلاع، وعلى محو، وعلى إعادة تشكيل الإنسان خارج إنسانيته.هذه الكلمات، التي قيلت في سبعينيات القرن الماضي قبل أن يغيب الإمام، لم تكن انفعالًا خطابيًا، بل قراءة مبكرة لمآل كيانٍ يتغذّى من الألم، ويستمدّ استمراره من استدامة الصراع. لقد رأى الصدر ما لم يره كثيرون: أن الخطر ليس في قوة إسرائيل العسكرية فحسب، بل في طبيعتها التي تبرّر كل شيء، وتُسقط كل المعايير، وتحوّل الجريمة إلى سياسة، والسياسة إلى عقيدة.حين وصفها بالشرّ المطلق، لم يكن يستخدم مفردةً عاطفية، بل مصطلحًا فلسفيًا ثقيلًا. فـ«المطلق» في الفكر الإنساني هو ما لا تحدّه حدود، ولا تقيّده ضوابط، ولا يخضع لمراجعة. هو ذلك الكيان الذي لا يرى في الآخر إنسانًا، بل عائقًا يجب إزالته. وهنا، تصبح المقارنة مع الشيطان مفارقةً مقصودة: فالشيطان، في المخيال الديني، عدوٌّ معلن، لا يتخفّى خلف شعارات أخلاقية، ولا يدّعي البراءة. أما حين يتحوّل الشر إلى منظومة تدّعي أنها ضحية، وتُلبس عدوانها ثوب الدفاع، فإننا أمام شرٍّ أكثر تعقيدًا، وأكثر فتكًا.لقد وضع الإمام العالم أمام ثنائية قاسية: ليس بين خيرٍ وشرٍّ تقليديين، بل بين شرٍّ مطلق، وكل ما عداه من بشرٍ يخطئون ويصيبون، لكنهم لا يسقطون في هاوية نفي الآخر بالكامل. في هذا التقسيم، لا يعود الموقف مسألة سياسة، بل مسألة ضمير. فأن تكون ضد هذا الشر، هو أن تنحاز إلى الحد الأدنى من إنسانيتك.وإذا كان الشيطان رمزًا للتمرد على الخير، فإن ما أشار إليه الصدر يتجاوز الرمزية إلى الواقع: منظومة لا تتورع عن استخدام كل أدوات القهر، من القتل إلى الحصار، ومن التهجير إلى محو الذاكرة، دون أن يرفّ لها جفن، ودون أن تعترف بحدٍّ أخلاقي. إنها حالة يصبح فيها الشرّ ليس فعلًا طارئًا، بل بنيةً قائمة، ونمطَ وجود.في هذا السياق، لا تعود عبارة «التعامل معها حرام» محصورة في إطارها الديني، بل تمتد إلى معناها الإنساني الأوسع. إنها دعوة إلى مقاطعة الشر في جوهره، إلى رفض التعايش مع ما ينفيك، وإلى عدم منح الشر شرعيةً عبر الاعتياد عليه. فالتطبيع، في هذا المعنى، ليس مجرد علاقة سياسية، بل هو اعتياد على اللامقبول، وتدرّج في فقدان الحسّ الأخلاقي.وربما تكمن خطورة هذا الشر في قدرته على التسلّل إلى الوعي، على جعلك ترى ما لا يُرى، وتقبل ما لا يُقبل، حتى يصبح الاستثناء قاعدة. هنا، يتحول الصراع من معركة على الأرض إلى معركة على المعنى: هل يبقى الإنسان إنسانًا حين يساوم على إنسانيته؟إن مقولة الإمام ليست شعارًا يُرفع، بل معيارًا يُقاس به الموقف. إنها تضعنا أمام سؤال وجودي: ماذا يبقى منا إذا قبلنا أن يكون الشرّ المطلق جزءًا من العالم الطبيعي؟ في الإجابة، يتحدد موقعنا، لا من السياسة فقط، بل من أنفسنا.وهكذا، تبقى تلك الكلمات، رغم بساطتها، كأنها نبوءةٌ مفتوحة على الزمن، تذكّرنا بأن أخطر ما في الشر ليس قوته، بل اعتياد الناس عليه .
أضيف بتاريخ : 2026-04-28 22:06:35 |