اسباب الهجوم على الرئيس بري
*اسباب الهجوم على الرئيس بري**بقلم: ناجي علي أمهز*بدايةً، ومن منطلق المسؤولية والإنصاف، أعلنها صراحة: أنا ضد أي تهجم يسعى للنيل من شخص الرئيس نبيه بري. فالرجل، وبما أوتي من حنكة وصبر، أدى قسطه للعلى، وحمل عن الطائفة الشيعية أثقالاً تنوء بها الجبال. ورغم تقدم السنين، وضغوط السياسة المنهكة، والانقسامات الداخلية العميقة، والحروب التي لا تنتهي، فضلاً عن الحصار العالمي المضروب حول شيعة لبنان، بقي نبيه بري "بيضة القبان" والميزان الذي يضبط الإيقاع بدقة متناهية، موجداً المخارج من رحم الأزمات المستعصية.لكن الإنصاف يقتضي أيضاً تشخيص الداء؛ فالرئيس بري يواجه اليوم المشكلة الأزلية التي تواجه كبار الزعماء والقادة الذين يختصرون المشهد في شخوصهم. إنها "عزلة القمة"، حيث تتحول الدائرة المحيطة بالزعيم – بدافع الخوف على مراكزها – إلى مصفاة تحجب عنه الحقائق، وتمرر له قراءة أحادية للواقع. ومع مرور الوقت، تتسع الهوة بين "القصر" و"الشارع"، وعند المنعطفات التاريخية الكبرى، يرتطم الجميع بصخرة الواقع المر فتتهاوى العروش؛ كما رأينا في ألمانيا وإيطاليا والاتحاد السوفياتي، حيث يستيقظ الناس فجأة فلا يجدون رئيساً ولا جيشاً ولا حتى حارساً على باب وزارة. هكذا تبخرت الدولة في العراق بليلة واحدة تحت ذريعة واهية ادعت تحول الجيش إلى رماد، وفي سوريا عام 2024 صُدم الناس بمصرف مركزي منهوب، ورئيس غادر البلاد مهزوماً، وجيش وقوى أمن تلاشت في ساعة واحدة. وحتى في فنزويلا، تبخر النظام في دقائق لينقلب المشهد كلياً نحو أمريكا. إنه السقوط اللحظي عند المنعطفات الاساسية والمصيرية.وحتى الصين العظيمة، لولا "ثورة التطهير" الجريئة التي قادها الرئيس شي جين بينغ بالامس، والتي طالت 60% من بطانته، لكانت اليوم تشبه انهيار الاتحاد السوفياتي.لذلك، ومن باب العدل، لا ينبغي تحميل الرئيس بري وزر كل إخفاق؛ فالرجل، ومن واقع خبرتي بمرافقة رجال الدولة، محاصر بجدول زمن يدار بالدقائق. رجل الدولة لا يملك رفاهية متابعة منصات التواصل أو رصد نبض الشارع بنفسه، بل يعتمد كلياً على "الخلاصات" التي يرفعها إليه فريقه الذي هو يقرر ماذا يستنتج ويلخص.كما ارفض التهجم على الرئيس بري فانه علينا ان نتفهم الشارع الشيعي الذي يغلي اليوم، ليس حباً في التهجم، بل قهراً من المفارقة الصارخة. لا أحد ينكر بسالة حركة أمل وتضحيات شبابها الذين ارتقوا شهداء، فهذا فعل إيمان طبيعي في بيئة جبلت على المقاومة. لكن السؤال الذي يحرق صدور الناس هو: أين "الطبقة السياسية الرسمية"؟الناس يتفهمون أن "حزب الله" محاصر ببروتوكولات الصراع العسكري التي تمنعه من مخاطبة الغرب أو بعض العرب مباشرة او حتى زيارة السفارات وشرح وجهة نظره، ولكن أين أولئك الذين يتصدرون المشهد الشيعي والمنابر منذ أربعين عاماً؟ أين الوزراء والنواب والسفراء الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً بعلاقاتهم الدولية وصداقاتهم في العواصم الكبرى؟ هل يُعقل أن طائفة تحكم وتدير مفاصل الدولة منذ عقود، لا تجد في صفوفها "شخص" واحداً استطاع أن يبني جسر ثقة مع صانع قرار عالمي، أو حتى مع "حاجب" في أروقة الأمم المتحدة؟ينظر الشيعة اليوم بمرارة إلى طبقة سياسية ودينية واقتصادية يبدو أنها لا تهتم إلا بمصالحها، طبقة يرتجف أفرادها خوفاً من المطالبة بوقف الحرب خشية إدراج أسمائهم على قوائم العقوبات، أو اتهامهم بالقرب من المقاومة. لقد تركت هذه الطبقة الطائفة تواجه مصيراً وجودياً، وكأنها تدفع بها إلى أعماق بحر المتوسط في لحظة تخلٍ تاريخية.هذا الانفجار الشعبي الذي حذرتُ منه سابقاً، حين تساءلت: "لماذا انفجر الشارع في وجه رجال الدين ولم ينفجر بوجه الحزب؟"، يتسع اليوم ليشمل الساسة والأثرياء. فمن ينقلب على "المقدس" (رجل الدين) بسبب تقصيره، لن يتردد في جرف "السياسي" في طريقه.الفاجعة التي أصابت الشيعة اليوم لا توصف؛ أكثر من 50 ألفاً بين شهيد وجريح، دمار يتجاوز 20 مليار دولار، وانهيار اجتماعي واقتصادي شامل. وفي قلب هذه العاصفة، تبين للناس حقيقة مرة: أنه لا يوجد في هذه الطائفة فعلياً سوى "حزب الله" الذي يقاتل ويضحي ويقدم أبناء قادته شهداء، بينما البقية – من ساسة ورجال دين وأثرياء وجمعيات – ليسوا سوى ظلال مستفيدة من تضحيات الحزب، يقفون اليوم في مقاعد المتفرجين بانتظار ما ستؤول إليه الأمور.إنها مأساة طائفة ومستقبلها. لقد كشفت هذه الحرب عن "مستقلين" شيعة خدموا أهلهم بجهود فردية أضعاف ما قدمته طبقة كاملة كانت تتصدر المشهد.في الختام، نحن أمام أزمة وجودية تتطلب تكاتف الجميع. لست مع الهجوم الشخصي على الرئيس بري، وأفهم عتب الناس وحرقتهم، لكن الهروب من الحقيقة لم يعد يجدي. الواقعة قد وقعت، ولا يفيد تهرب بعض الشيعة من مسؤولياتهم بانه الحق على حزب الله، فالشيعة الذين عانوا اجتماعيا من الاقطاع العائلي واليوم يعانون الاقطاع السياسي وجوديا، لكن الاقطاع العائلي يمكن معالجته انما الاقطاع السياسي فانه حتما ان لم يتحرك فانه لن يبقى هو لن تبقى الطائفة من اساسها.المطلوب قول الحقيقة للطائفة كما هي ودون روتوش وخطابات فالامر مصيري.
أضيف بتاريخ : 2026-04-20 13:49:16 |