وليد جنبلاط: رادار التاريخ وسادنُ الهوية.. قراءة في تصريحه الاخير.
*بقلم: ناجي علي أمهز*توالت عليّ الأسئلة حول قراءتي لموقف الوزير وليد جنبلاط من مسألة التفاوض مع "إسرائيل"، فأردتُ أن أسطر الردَّ برؤيةٍ تتجاوز السطح السياسي إلى العمق التاريخي.حين يشتدُّ عصفُ الأزمات، وتلتبسُ السبلُ بالسالكين، يبرزُ "الوزير وليد جنبلاط" كمنارةٍ لا تضيء دروب السياسة فحسب، بل تستقرئ التاريخ في تجلياته العميقة. إنه الأعلمُ بنواميس الأرض، والأدرى بالأثمانِ الباهظة التي تُدفعُ حين تقتربُ المصائرُ من نيران "إسرائيل" الحارقة.إن وليد جنبلاط ليس مجرد رقمٍ في معادلة الحكم، بل هو آخر العمالقة وسادنُ أركان الكيان اللبناني. كلُّ ثانيةٍ من عمره –الذي نرجو أن يطول– هي استثمارٌ وطني، وكلُّ كلمةٍ ينطقُ بها هي وثيقةٌ تاريخية تستوجبُ التدوين والتأمل. إنه "حبلُ السرة الخفي" الذي يمدُّ جسد لبنان المنهك بالأكسجين الدولي في زمن الاختناق. وبينما يتشبثُ أشباهُ الزعماء بكراسيهم حتى الخرف، فتلفظهم النخبُ ويرذلهم التاريخ في زوايا النسيان، يختارُ جنبلاط "عظمة الانسحاب" نحو الذات، مستحضراً سِيَر الكبار كجورج واشنطن وديغول؛ حيث تغدو القراءةُ، والتأمل، ومراجعةُ النفس، هي الملاذ الأخير للروح التي أدركت حقيقة الوجود.لا أريد أن أغوص –ولا يحق لي– في شرح كل أبعاد موقف الزعيم جنبلاط، لكنني أذكركم بموقفه الذي يمثل "فلسفة البقاء" في أنقى صورها؛ حين رفض بشدة وبصوتٍ مجلجل أن تقبل عشيرته التوحيدية (بني معروف) في سوريا أيَّ مساعدةٍ إسرائيلية وهم تحت الحصار والبارود والنار، والسكاكينُ على رقابهم، مؤكداً بفعله هذا أن "الموتَ ألف مرّة بكرامة، أهونُ من حياةٍ تُشتَرى بتقاربٍ مشبوه".يدركُ جنبلاط، وريثُ كمال جنبلاط، أن غبار العار لا تذروه الرياح، وأن فاتورة التقارب مع هذا الكيان لا تُسدّد، بل تورثُ ذلاً أبدياً. هو يعلم أن الشعوب العربية والإسلامية، حتى في رقادها الأبدي تحت التراب، لا تغفر لمن صافح يداً تلطخت بدم التاريخ.إن الزعيم وليد جنبلاط، حكيمٌ عظيم نظر في مرآة الزمان، ورأى ما لا يراه العابرون. إن النظام الكوني منذ خمسة آلاف عام يعيدُ تكرار المأساة ذاتها؛ فكلُّ قوةٍ عالمية توهمت أن التقارب مع هذا الفكر "الصهيوني/اليهودي" القديم هو مكسب، انتهت بالسقوط.منذ إبراهيم الذي واجه النمرود، وموسى الذي انهى الحضارة الفرعونية، وصولاً إلى استلاب شرائع حمورابي، نجد نمطاً تكرارياً من الانقلاب على العهود. حتى الحضارة الرومانية، لم تكن لتتهاوى لولا تلك الأصابع الخفية التي تغلغلت في مفاصلها، وتظلُّ مظلومية يسوع المسيح الشاهد الأكبر على نمطِ تفكيرٍ لا يؤمن إلا بذاته.لقد نقضوا العهود في فجر الإسلام، وبالأمس أوقعوا الإمبراطورية البريطانية في شرك "وعد بلفور" الذي ما زال الإنكليز يدفعون ثمنه انحساراً في هيبتهم، واليوم نرى "العملاق الأمريكي" يترنح تحت وطأة التورط ذاته، والنتيجةُ الحتميةُ قادمةٌ لا محالة: سقوطُ الراعي برعونةِ حليفه.هؤلاء هم اليهود الذين نسبوا الى انفسهم كل شيء عظيم، مع انهم ساميين لم يعرفوا الاستوطان والعمران كانوا كالغجر رحل لا يبنون بيتا ولا يزرعون ليحصدون، نسبوا الى انفسهم بناء الاهرامات ليرد عليهم احد المؤرخين الغربيين قائلا، " ان اتيت باجير وقلت له احمل هذا الطوب هل يكون هو الذي بنى هذا الصرح العظيم." لا أحتاج لتفسير تصريح الزعيم جنبلاط الأخير، فمن يتابع مسيرته يدرك أنها نتاجُ قراءةٍ جينية وجغرافية وتاريخية؛ لأن الجغرافيا لا ترحم، والتضاريس لا تنسى، والتاريخ لا يغفر للمقامرين بالهوية. إن وليد بيك يدرك أن إسرائيل ليست جاراً يمكن التفاوض معه، بل هي "ثقبٌ أسود" في ثوب الحضارة، يبتلعُ كلَّ من ظنَّ يوماً أنه قادرٌ على ترويضه.هذا هو وليد جنبلاط.. ومن لا يفهمُه او يدرك نظرتَه للزمان، لن يفهم أبداً أبعاد كلامه.
أضيف بتاريخ : 2026-04-11 15:18:56 |