كتاب واراء

لماذا المفاوضات؟… والاتفاق قد تم فعلاً

بقلم : أمين السكافيليست السياسة، كما يُقال، مجرد “فن الممكن”، بل هي في كثير من وجوهها فنّ الالتفاف وصناعة الوقائع، وقد تتحول—حين تتقاطع المصالح مع النزعات العدوانية—إلى مساحة مفتوحة للخداع وسفك الدماء خدمةً لغاياتٍ مبيّتة. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مشهد “المفاوضات” الدائر اليوم، لا كمسارٍ لحلٍّ حقيقي، بل كغطاءٍ لاتفاقٍ غير مُعلن تمّ حسمه في مكانٍ ما: نزع سلاح المقاومة.السؤال الذي شغل المتابعين لم يكن تفصيلاً عابراً: لماذا سقط عمداً بند وقف الحرب والعدوان على لبنان من الورقة الإيرانية التي أُرسلت إلى إسلام آباد؟ تلك الورقة التي قُرئت، ونوقشت، ونالت موافقة أولية، قبل أن تُنقل إلى واشنطن، حيث جرى التنصّل منها بشكلٍ مفاجئ، بالتوازي مع تصعيد إسرائيلي بدا وكأنه إعلان نوايا لا لبس فيه. هنا، لا يعود الحذف خطأً تقنياً، بل يتحول إلى مؤشر على إعادة ترتيب الأولويات خلف الأبواب المغلقة.بعد 38 يوماً من اشتعال الجبهة بين لبنان وفلسطين المحتلة، وما نتج عنها من ضغوطات قاسية طالت المؤسسة العسكرية والأمنية للكيان، وصولاً إلى اهتزاز الجبهة الداخلية مع نزوح مستوطني الشمال، بدت الفرصة سانحة لفرض وقف إطلاق نار يخفف العبء عن الداخل الإسرائيلي. غير أن ما هو منطقي في الحسابات الميدانية، لم يكن كذلك في الحسابات السياسية. إذ اختار الثنائي الأميركي–الإسرائيلي، بقيادة دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، مساراً مختلفاً تماماً.لماذا يُترك لبنان ضمن سلة التفاوض الإيراني–الأميركي، حيث يمكن فرض وقف العدوان دون أثمان مباشرة؟ ولماذا لا يُفصل هذا الملف، ليُصار إلى التعامل معه كقضية مستقلة يمكن الضغط فيها بشكل أكبر، عبر استهداف المدنيين كما جرى في “الأربعاء الأسود”، تمهيداً لفرض مفاوضات مباشرة؟ هكذا تبلورت مقاربة جديدة: إخراج لبنان من سياق التوازنات الكبرى، وإدخاله في مسار تفاوضي منفرد، هدفه الواضح انتزاع ما لم تحققه الحرب.غير أن الإشكالية لا تقف عند هذا الحد. فبدلاً من تحصين الموقف الداخلي، برزت أصوات في “لبنان الرسمي” تدفع باتجاه هذا الخيار، وكأن البلاد أمام فرصة سياسية، لا فخٍّ استراتيجي. هؤلاء الذين يروّجون للمفاوضات المباشرة، يتجاهلون أن كلفتها لن تكون مجرد تنازلات تقنية، بل قد تصل إلى إعادة صياغة هوية لبنان السياسية وموقعه في الصراع.لكن النقطة الجوهرية التي يجري الالتفاف عليها، ليست مسألة نزع السلاح بحد ذاته، بل ما هو أخطر: هل اللبنانيون، بمختلف مذاهبهم وانتماءاتهم، مستعدون للذهاب إلى اتفاق سلام مع إسرائيل بعد هذه المفاوضات؟ هنا يكمن جوهر السؤال، وهنا تتكثف الإشكالية.فالقضية لم تعد محصورة في سلاحٍ يُنزع أو يُحفظ، بل في مسارٍ كامل يُراد فرضه على بلدٍ لم يحسم يوماً خياره في هذا الاتجاه. هل يقبل دروز لبنان باتفاق سلام؟ هل يوافق سنة لبنان؟ هل يرضى الشيعة؟ وهل هناك إجماع وطني حقيقي على الانتقال من حالة الصراع إلى حالة التسوية مع كيان ما زال يُنظر إليه كقوة احتلال؟إن الذهاب إلى مفاوضات من هذا النوع، دون إجماع وطني واضح، ليس مجرد مغامرة سياسية، بل مقامرة بمصير بلدٍ بأكمله. وهنا يصبح السؤال موجهاً إلى رئاسة الحكومة: أبهذه الطريقة تُدار القضايا المصيرية؟ “ما هكذا تُورد الإبل”.أما أولئك المتجهون إلى واشنطن، فالسؤال الأعمق: ماذا سيحملون معهم عند العودة؟ هل سيعودون بضمانات تحفظ لبنان، أم بمشروع تسوية يفتح الباب أمام اتفاق سلام مرفوض شعبياً، ومفروض تحت الضغط؟في المحصلة، لا تبدو “المفاوضات” مساراً لإنهاء الأزمة، بل مرحلة انتقالية لفرض واقع جديد. واقع يبدأ بعنوان دبلوماسي، لكنه يخفي في جوهره محاولة نقل لبنان من موقع إلى آخر، دون إرادة جامعة. وبين العنوان والمضمون، يبقى الخطر قائماً: أن يُدفع البلد، مرةً جديدة، إلى خيارات لم يُجمع عليها، ونتائج قد لا يستطيع تحمّل تبعاتها


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة