كتاب واراء

قلق الداخل… توتر السلطة واستشراس اليمين

بقلم د. محمد هزيمة، محلل سياسي وخبير استراتيجيفي لبنان، تحوّل الداخل إلى حلبة اشتباك سياسي، حرب بلا هوادة سكنت كل الأروقة وهزّت أركان السلطة، ولم يبقَ مجال للنقاش طالما الاتهام حاضر، ومطرقة الحكومة تطرق إيقاع مشروع ربط لبنان بالشرق الأوسط الأميركي بلا مجاملة، باعتبار ذلك إنجازًا سياسيًا يعود فضله لجهود جمعت الداخل بالخارج. واقع أربك الوطن؛ فكل كلمة تُقال أو قرار يُتخذ يُقاس بثمن الدم والهيمنة. القلق يسري في العروق كسم بطيء، يلتهم صمت القاعات، ويحوّل الاجتماعات إلى ساحة تآمر تتصارع فيها الإرادة مع الاستسلام. يستعر توتر المدافعين عن الوجود وحماية الحدود بمواجهة طموحات اليمين المستشرية بلا رحمة.واليمين في لبنان ليس مجرد تيار سياسي، بل سلطة استشراس متوحشة، فريق لا يعرف حدود السلطة ولا يقبل الشراكة، يعرف فقط التنازل لمصالحه، وخلاف ذلك تُسحق كل محاولات التهدئة، حتى الموازنة، لتُستغل كل أزمة لتوسيع نفوذ قائم على انعزال عميق لا يقتصر على الأفكار، بل يشمل السيطرة على كل شيء: القرار، الإعلام، الموارد، وحتى الخوف في عيون الآخرين؛ يراه ضعفًا يستغله ويُعاقب عليه.داخل سلطة مضطربة، المؤسسات فيها ساحات معارك متداخلة، تحوّل كل مكتب وإدارة إلى سلاح. حتى الاجتماعات التي كان من المفترض أن تكون منصات حوار، صارت أوكارًا تصنع مؤامرات صامتة لتزيد الضغوط وتراكمها بقرارات تُتخذ على وقع تهديد مستمر من جهة العدو، تُجيّرها منافسة محتدمة من جهة المقاومة. في الوقت الذي يقف فيه المجتمع عاجزًا، يراقب التمزق الداخلي، يختنق مع كل صراخ، ويتوه أمام كل مناورة، ومع كل لحظة يظهر فيها مشروع اليمين بقسوته.بمشهد السياسة، حرب على الداخل ذاته، الأخطر فيها صراع داخلي هدّد استقرار الدولة. توترات بلا ضوابط يمكن أن تتحول إلى انفجار شامل في ظل سلطة مرتهنة ووطن ممزق، محكوم بالتنافس على النفوذ على قاعدة استشراس اليمين وشبق السلطة لديهم، وروح الانتقام والكيدية المليئة حقدًا. عوامل صنعت واقعًا قاسيًا بلا توافق ولا استقرار أو رحمة، فقط إرادة الأقوى بمعيار الارتهان بالمشروع الغربي المرتبط بالعدو على حساب أبناء الوطن.أدخلت هذه السياسات المواطنين في صراعات لا تهدأ، وخوف يسيطر عليهم في عمق حرب صامتة. ظهر أثر الانقسام على كل مفاصل الحياة: قرارات حكومية تربط لبنان بمشاريع، وفي الوقت عينه خدمات تنهار، وضغوط داخلية تتحول إلى أزمات جديدة على المواطن العادي. يزداد الوضع سوءًا في أروقة سلطة حكم ارتبطت بالخارج، وتحولت الإدارات إلى ساحات لتصفية الحسابات. صراع نفوذ بعقلية انتقام يدفع المواطن البسيط ثمنه.وبمراقبة بسيطة للتحليلات الداخلية، ينكشف التوتر وتتضح حقيقة نظام متكامل داخل السلطة مرتبط بمشروع خارجي استعماري، يسعى اليمين من خلاله لتعزيز موقعه كقوة سياسية تتربص بالوطن، وضرب كل فئة معتدلة، وتحديدًا ما يُعرف بالسياسة المتوازنة. وهذا خطأ يُرتكب اليوم، وربما لن يجد غدًا من يستوعبه.فالمجتمع المستهدف يراقب، وليس من بعيد، بل من قلب المواجهة مع العدو، ويتجنب كل أزمة داخلية تجنبًا لانعكاساتها في الشارع، أمام شعور عام بالضياع وانعكاسات توتر داخلي. لكن ذلك لم يدخل في حساب السلطة الحالية، التي تزداد غرقًا وانصياعًا لليمين القابض على قرارها، بدعم أميركي مباشر، ما يزيد قلق الداخل ويفضح توتر السلطة.يزداد استشراس اليمين، وهذا ليس مجرد وصف للوضع الراهن، بل إنذار صارخ: إن كل لحظة ضعف، وكل تردد، يمكن أن يحوّل الدولة إلى فوضى شاملة، في وقت تتبدّل فيه الخرائط والنفوذ. والذين يظنون أنهم مسيطرون اليوم قد يجدون أنفسهم ضحايا؛ فقد ذاقوا طعم الخذلان سابقًا، وخسر اليمين امتيازات ورثها من الانتداب، ولن يستعيدها مستقبلًا.في لحظة يبدو فيها الداخل كأنه حقل ألغام: أي خطوة خاطئة تُفجّر الوطن، ولا تكتفي بأزمة، وأي تردد سيكلّف الدولة المزيد من الانهيار. فالمجتمع المستهدف يراقب بصمت، لا يريد الغرق في صراعات الداخل، باعتبار أن المعركة مع العدو على الحدود، وأن لبنان مهدد بكيانه قبل حدوده، وأن ما يجري ليس سوى انعكاس لمشروع لن يمر على جثث أصحاب الأرض المضحين.وفي هذا السياق، برزت معادلة جديدة: من يملك قرار الأرض يرسم المستقبل، ومن يسيطر على الإعلام يؤثر مرحليًا في الرأي العام، ومن يضحي يضغط على الجميع، وهو الأقوى. وليس بالضرورة أن يمتلك السلطة الرسمية؛ بل من يمتلك الحق هو صاحب النفوذ، ولو كان صامتًا. فكيف إذا حوّل كل أزمة إلى فرصة، والضعف إلى نقطة انطلاق؟بمفهوم بناء دولة، لا صراع مناصب، بل حرب على الزمن لمواجهة تبدّل الخرائط وحماية مستقبل الدولة.فالداخل المنهار بهذا الشكل لن يكون بيئة تسهم في صنع القرار، بل سيبقى مختبرًا لتجارب الآخرين وتأمين مشاريعهم، في ميدان وطنٍ محكوم حاليًا بالفوضى، أداة ضغط على الجميع. يستشرس فيه اليمين بقسوة، لكنه عاجز عن فرض قانونه ليحكم الجميع..


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة