لبنان: تخاذل عاق، وتآمر عار... وجبهة تحسم
بقلم: د. محمد هزيمةكاتب سياسي باحث استراتيجي مستشار بالعلاقات الدولية.لبنان في مهب العواصف ورياح المشاريع، وهذا ليس جديدًا على وطن لم يبلغ مشروع الدولة، وقد دخل مرحلة شيخوخة سياسية مبكرة نتيجة خلل في جينات الوراثة السياسية التي أنتجت واقعًا مشوهًا منذ الولادة التي قاربت القرن. ولم يخطئ مبعوث الرئيس الأميركي براك حين وصفه بالغلطة التاريخية، ليس لأنه على حق واكتشف مرضًا عضالًا عجز عنه من سبقه، بل لأنه وصف واقعًا عرفه من اللبنانيين أنفسهم الذين تقربوا منه حبًا بالعم سام ورغبة بمنفعة هي صلب مهمته لمشروع أميركا للشرق الأوسط المبني على إسرائيل الكبرى، وإعادة رسم خرائط المنطقة بما يتناسب مع دورها كإمبراطورية اقتصادية بثقل سياسي ومركز طاقة عالمي، حوله كيانات متناحرة مذهبيًا وعرقيًا أو سياسيًا، تديرها إسرائيل وتقرر مصيرها ومستقبل شعوبها التي تقع تحت وطأة حكام يديرون سلطات بقائها مرتبطًا بالأميركي المشرف على التحولات السياسية الحالية وراعي أدواتها، وهو من يحدد أدوارها بعدما استنفد سايكس-بيكو، وانطلق بمشروع جديد قائم على ضعف الحكومات ووهن شعوبها، والهدف ثرواتها الطبيعية والإطباق على قرارها بهدف تقطيع أوصال العالم والإمساك بشرايين العصب الاقتصادي من طاقة وثروات طبيعية وممرات مائية وبرية، بحرب ترسم مستقبل العالم وتحدد هوية النظام العالمي بين استمرار أحادية القطب الأميركية بتحالف يجمع الهند وإسرائيل مع دول أفريقية وإسلامية بأميركا، أو مواجهة نظام جديد قائم على التعددية القطبية يسقط أميركا عن عرش سيطرتها وتسلطها على العالم، حلفائها قبل خصومها وأعدائها.بوقت دخل العالم مرحلة جديدة بشكل مختلف، ظهرت فيه ملامح قوة جمعت دولًا عظمى مع إقليمية وازنة، وحدهم رفض الهيمنة الأميركية والاستعداد لمواجهة مشروعها بممانعة دولية تعرف بوحدة الأقطاب الأوراسية التي شكلت هاجس استراتيجية المستقبل للأمن القومي الأميركي، وحاجة الولايات المتحدة لموارد جديدة أمام واقع مالي هو الأسوأ بتاريخها مع ارتفاع الدين العام والعجز عن معالجة الأزمة الاقتصادية، والحاجة لإعادة رسم الخرائط السياسية والاقتصادية للأسواق، وخاصة الطاقة البديلة والصناعات الرقمية، والخشية من تنامي الصين وعودة روسيا وموقع إيران الجغرافي والجيوسياسي، إضافة لدور كوريا الشمالية وصعوبة المواجهة، رغم الانفلاشة الأميركية التي شكلت عبئًا على الخزينة وارتد سلبًا على واشنطن، ولم يبقَ عامل الوقت يخدمها أمام توسع الصين واتجاه دول حليفة لها شرقًا، فاختارت واشنطن سلوك دروب الشرق لتمسك أوراق قوته الاقتصادية بثروات نفطية ومعدنية وممرات مائية، معتمدة على قاعدتها الأكبر إسرائيل التي خسرت الكثير من أوراق قوتها خلال السنتين الماضيتين، برغم الدمار والخسائر التي ألحقتها بفصائل المقاومة من غزة إلى صنعاء وبيروت، التي راهنت على سقوطها بعد حرب الإسناد التي لم توقفها إسرائيل برغم الهدنة، بل تحولت إلى حرب إسرائيلية أميركية ودور عربي واسع كان لعصا يزيد بن فرحان دور فيها، مع تنامي دور الرياض نتيجة سقوط النظام في سوريا وتوجه أكثرية النواب السنة بأحزابهم إلى الحضن السعودي وارتباطها بمشروع التطبيع مع العدو الإسرائيلي، بواقع قلب الموازين السياسية التي لم تكن يومًا تعبيرًا حقيقيًا عن الشعب اللبناني وتمثل إرادته التي يلبّيها النظام الطائفي، وبقي مساهمًا بعدم استقرار الوطن.ولا يمكن فصله عن واقع الحرب التي نعيشها وخطورتها التي أخذت شكلًا جديدًا بمنحى خطر، قرار الحكم عند سمير جعجع بتاريخه الأسود، والأسوأ أن السلطة تحولت جزءًا من "المشروع الأميركي للشرق الأوسط"، ونقل لبنان من حال الترقب إلى المواجهة. بوقت يعطي الثنائي الشيعي الوطني أولوية المواجهة للعدو الخارجي، باعتبار أن الداخل ليس سوى صدى لصخب الهجمة الأميركية على المنطقة، يعيش المراهنون على أميركا وإسرائيل نشوة زائفة على حساب تركيبة الداخل الهشة، التي فرضها الأميركي بحكومة غير متجانسة ولا تعبر عن واقع لبنان، أرادتها واشنطن خطوة أولى بانقلاب متدحرج يبدأ بالحكومة وتشكيل السلطة التنفيذية، التي استكملت انقلابها بقرارات مخالفة للدستور تتجاوز ميثاق العيش المشترك وتضرب كل القوانين والأعراف، حتى المواثيق الدولية، بكيدية راكمت فيها حكومة الأمر الواقع ارتكاباتها التي ترقى لمستوى الخيانة العظمى على حساب الوطن وشعبه وحماية حدوده، بموجب انقلاب تحميه أميركا أمنت له حاضنة مذهبية، وكرّست سمير جعجع بموقع قائد الجمهورية ومنظّر مشروعها القادم على وقع حرب أميركية إسرائيلية تهدف لإخضاع المنطقة وإعادة رسم خرائطها بخلفية دينية "مسيحية متعصبة"، لاقت عنصرية متجذرة عند فريق الامتيازات الذي لم يخرج من زواريب الحرب الأهلية، بإنجازات جمّة من عين الرمانة إلى السبت الأسود وحواجز الذبح على الهوية، ليعيد الكرة من جديد كما في اجتياح اثنين وثمانين، التي ركب فيها الدبابة الإسرائيلية وكانت سبب نهاية امتيازات ورثة الاستعمار الفرنسي، وواست لخروجهم المذل من السلطة ثمنًا لمغامرة انغماسهم بمشروع صهيوني، وخطيئة التعويل على إسرائيل، برصيد جرائم مجازر صبرا وشاتيلا، الحوض الخامس، الاعتداء على الجيش اللبناني وإعدام ضباطه وجنوده، قتل رجال دين، حتى البيئة لم تسلم من براميل النفايات الملوثة، كما الحوض الخامس، ليبقى مرفأ بيروت شاهدًا على جريمة العصر، قبل الحديث عن تفجيرات استهدفت دور عبادة وكنائس، دون أن يغيب نشاطهم بخدمة العدو الإسرائيلي وتسليمه مواطنين لبنانيين ودبلوماسيين إيرانيين، الذين يبدو أنهم شكلوا حساسية مفرطة لمليشيا الكرنتينا التي نقلت مجلسها الحربي إلى معراب، واستحدثت حاجزًا مدفونًا داخل أروقة وزارة الخارجية اللبنانية، رأس الدبلوماسية التي تحولت مليشياوية بامتياز منذ تولي موقع السلطة فيها، متحرش بموقع وزير بحكومة انقلاب من خارج التوازنات السياسية والأحجام البرلمانية، تجاوزت الدستور وآلية عمل الحكومة حتى بيانها الوزاري، بجريمة تبني ورقة عمل أميركية تحمل مطالب العدو الإسرائيلي لحماية حدوده على حساب استقرار الوطن وسيادته وأمن شعبه المستهدف بحرب إبادة لم توقفها إسرائيل بدعم أميركي وغطاء مبعوثيها، وتهديدهم للوطن بوجوده وممارسة الابتزاز السياسي الذي يظهر تقاطعه بالتزام الحكومة مشروع الشرق الأوسط الأميركي وتعهدها تنفيذ مهمة نزع أوراق القوة من لبنان تمهيدًا لإدخاله حظيرة التطبيع التي تعمل لها السعودية عرّابًا سياسيًا وقائدًا مرحليًا، مستفيدة من المتغيرات الداخلية العربية بغياب سوريا وانتقالها من ضفة الممانعة إلى الحصن الإسرائيلي برعاية أميركية وتمويل عربي، أعاد خلط أوراق التحالفات داخل لبنان وتورم حجم المطبعين بعد أن خلعوا ثوب العروبة والثوابت وساروا بركب بن فرحان وعصاه الغليظة التي أثمر طيفها "أبو عمر" السنكري بدور كبير وهامش واسع من العمل السياسي ومروحة اتصالات كشفت عُري الداخل واضمحلال البيئة السياسية وكشفت ضعف البنية الوطنية وانعدام الانتماء عند من باع نفسه في سوق النخاسة والوهم الممزوج بحقد.واقع كانت عائداته مرتفعة لصالح المشروع الأميركي، جعل من معراب مرجعية تمسك قرار أكثرية النواب بما فيهم السنة على حساب دماء الرشيد شهيد الوطن الذي باعه أهل بيته بدراهم أمل كاذب، وباعوا أنفسهم بالسوء، لتظهر معراب بصورة صانع قرار داخل حكومة فراغ ولدت على إنقاص معركة هي جولة من حرب كبرى، لبنان فيها تفصيل مهدد بكيانه ووجوده بإسرائيل الكبرى ونوايا الرئيس الأميركي ترامب إلحاق لبنان بسوريا، باعتبار بلد الأرز خطأ تاريخيًا بزعم براك مبعوث ترامب الشخصي صاحب الجذور اللبنانية، الذي استعاد جنسية أجداده لا ليحفظها بل لينهي الوطن بما فيه، استكمالًا لمشروع استعماري بدأ يلفظ أنفاسه بالمنطقة ويعيش آخر فصول سكرات موته، فشل حرب على إيران بعدما قلبت المشهد وأجبرت ترامب على البحث عن مخرج يخفف وقع فشله وهزيمته المدوية على أبواب طهران، ليسقط الهدف من صناعة انتصار يحتاجه نتنياهو بالتوقيت ليكرسه ملك ملوك إسرائيل، يشكل منطلقًا عمليًا لإسرائيل الكبرى التي هي حق بمفهوم السياسة الأميركية على لسان سفيرها في القدس المحتلة، يؤسس لمرحلة جديدة تعيد رسم خرائط الشرق الأوسط، ترفع شعبية ترامب المأزومة، تستكمل بتقطيع أوصال العالم وتقطع طريق تمدد الصين وتحاصر روسيا، لتخوض حربًا باردة تفرض شروط أميركا بورقة الطاقة عصب الحياة الاقتصادية، تضيف إليها واشنطن ممرات بحرية وخطوط شحن شريان حياة نمو الصين وتقدمها، بمرحلة لم يبقَ عامل الوقت لأي من الأطراف، أميركا "إدارة ترامب" والصين ضمن برنامجها لاستعادة جزيرة تايوان.وفي هذا السياق، صُنفت زيارة ترامب للصين خلال الأيام القادمة "يصل بكين وبيده سلة النفط الإيراني" بعد سيطرته على فنزويلا ونفطها، لكن حسابات ترامب اختلفت عن النتائج كما واقع الميدان من إيران إلى لبنان مرورًا بالعراق واستعدادًا اليمن وغدًا فلسطين.وإلى المراهقين والمراهنين، لبنان عصيّ على التطبيع، فالمقاومة حقيقة معمدة بالدم، والمساومة خيانة عُظمى حتى على من يشتريها.
أضيف بتاريخ : 2026-03-28 13:17:25 |