كتاب واراء

معركة الجنوب: بين وهم التقدم وكمائن الميدان

كتب الاعلامي حسين مرتضىفي قراءة ميدانية للتطورات الأخيرة على الجبهة الجنوبية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما يحاول الاحتلال الإسرائيلي تسويقه.فالمعركة الدائرة في القطاعين الغربي والشرقي تكشف، من خلال الوقائع الميدانية، عن مشهد مختلف عنوانه الاستنزاف والاشتباك المباشر من مسافات قريبة، وليس تقدماً مريحاً كما يُروَّج.في القطاع الغربي، الممتد من الناقورة إلى البياضة وصولاً إلى شمع، شهدت الساعات الماضية اشتباكات عنيفة من “نقطة صفر” استمرت لأكثر من عشرين ساعة متواصلة.هذا النمط من القتال يعكس طبيعة المواجهة القائمة على الاحتكاك المباشر، حيث تسعى قوات الاحتلال إلى تحقيق اختراق نوعي يتيح لها تغيير قواعد الاشتباك.وتبرز تلة البياضة كهدف استراتيجي أساسي، نظراً لإشرافها الناري على الطريق الساحلي الرابط بين الناقورة وصور.السيطرة على هذه التلة، إن تحققت، تعني عملياً محاولة عزل قوات المقاومة في الناقورة عن عمقها اللبناني، وخنق خطوط الإمداد والتحرك. إلا أن طبيعة الأرض في منطقة شمع، بتضاريسها الوعرة واحتوائها على مواقع مرتفعة وقلعة أثرية، تجعل من أي تقدم مهمة شاقة ومكلفة.أما في القطاع الشرقي، فتتكرر الصورة ولكن بوجه أكثر دموية بالنسبة لقوات الاحتلال.محاور الطيبة والقنطرة ودير سريان شهدت عمليات تصدٍ واسعة، أعادت إلى الواجهة مشهد وادي الحجير، الذي يحمل في الذاكرة العسكرية وصف “مقبرة الدبابات”. فبلدة القنطرة، بوصفها بوابة هذا الوادي، تحولت إلى نقطة استنزاف رئيسية للآليات الإسرائيلية.الهدف الإسرائيلي في هذا المحور يبدو واضحاً: الوصول إلى أقرب نقطة من نهر الليطاني، ليس بالضرورة لتحقيق إنجاز عسكري حاسم، بل لالتقاط صورة “رمزية” توحي بالسيطرة والتقدم.إلا أن الوقائع الميدانية تعاكس هذا الهدف، حيث اصطدمت القوات المتقدمة بكمائن محكمة ونيران مباشرة.في هذا السياق، تكشف المعطيات عن خسائر لافتة في صفوف الآليات الإسرائيلية، مع الإعلان عن تدمير عدد كبير من دبابات “الميركافا”، كان أبرزها في القنطرة حيث تم استهداف ثماني دبابات دفعة واحدة.كما نُفذت كمائن نوعية ضد قوات المشاة، خصوصاً في دير سريان، ما أجبر الاحتلال على الإقرار بوقوع قتلى وجرحى في صفوفه.ولم تقتصر عمليات المقاومة على الاشتباك البري، بل امتدت إلى القصف الصاروخي الذي استهدف تجمعات الاحتلال في خلة العين ومحيط الناقورة، وصولاً إلى عمق أكبر عبر استهداف قاعدة “شراغا” في عكا، وهي المقر الإداري للواء جولاني، إضافة إلى مواقع في حيفا.خلاصة المشهد الميداني تشير إلى مفارقة واضحة: في الوقت الذي يتحدث فيه الاحتلال عن تقدم في العمق، تُظهر المعطيات أن الاشتباكات لا تزال تدور في “قرى الخط الأول” مثل الطيبة وشمع.وهذا يعني أن القوات المتقدمة لم تخرج بعد من نطاق النيران المباشرة، بل تقع ضمن تكتيك “الاستدراج” الذي تعتمده المقاومة، حيث يتم استنزاف القوة المهاجمة وضربها في نقاط ضعفها.بناءً على ذلك، يمكن القول إن ما يجري في الجنوب ليس مجرد معركة مواقع، بل صراع إرادات تُحسم نتائجه بقدرة كل طرف على الصمود وإدارة الميدان، بعيداً عن الضجيج الإعلامي وصور “الإنجازات” السريعة.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة