تحولات الحرب في الإقليم صراع الإرادات من طهران إلى الخليج وحدود القوة الأميركية الإسرائيلية.
كتب إسماعيل النجار،تحولات الحرب في الإقليم صراع الإرادات من طهران إلى الخليج وحدود القوة الأميركية الإسرائيلية.تتجه الحرب في المنطقة نحو مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، حيث لم تعد الأمور محصورة بين أطرافها المباشرين، بل بدأت ترسم ملامح صراع شامل يطال توازنات الإقليم بأسره، من طهران إلى تل أبيب، مروراً بالخليج العربي الذي بات يقف على حافة تهديدات غير مسبوقة.منذ انطلاقة هذه المواجهة، رفعت واشنطن وتل أبيب سقف أهدافهما إلى حدّ السعي لتغيير النظام في إيران، وتدمير برنامجها النووي، وإنهاء قدراتها الصاروخية. إلا أن مجريات الميدان كشفت مع مرور الوقت عن فجوة واضحة بين الأهداف المعلنة والقدرة على تحقيقها، وهو ما انعكس في سيل التصريحات السياسية التي حاولت احتواء الفشل أكثر مما عكست تقدماً فعلياً على الأرض.*في المقابل أظهرت طهران صموداً لافتاً، لم يقتصر على امتصاص الضربات، بل تعدّاه إلى إعادة تشكيل عناصر القوة الإقليمية. فإيران لم تتعامل مع الحرب كمعركة دفاعية فحسب، بل اعتبرتها فرصة لإعادة فرض معادلات جديدة، أبرزها معادلة “الطاقة مقابل الطاقة”، حيث باتت الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ورقة ضغط استراتيجية تهدد الاقتصاد العالمي بأسره.*لكن الأخطر في هذا المشهد، هو انتقال التهديدات إلى مستوى غير مسبوق باتجاه دول الخليج. فمع تصاعد الحديث عن أي محاولة أميركية لاستهداف الجغرافيا الإيرانية، بما فيها الجزر المتنازع عليها، برزت رسائل تصعيدية تتحدث عن ردود قاسية قد تطال عمق الخليج، بما في ذلك منشآت حيوية وبنى تحتية، بل وتهديدات قصوى تصل في بعض الخطابات إلى استهداف كيانات بعينها.*هذه التهديدات، سواء أكانت ضمن الحرب النفسية أو ضمن سيناريوهات عسكرية محتملة، تعكس حجم التوتر القائم، وتضع دول الخليج أمام معادلة شديدة الحساسية: بين التحالف الأمني مع واشنطن، ومخاطر الانخراط في حرب قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة على أراضيها.*وفي موازاة ذلك، تشتعل الجبهة الجنوبية اللبنانية بضراوة، حيث أظهر حزب الله تطوراً ملحوظاً في تكتيكاته القتالية، سواء من حيث استخدام الأسلحة أو حنكتهِ في إدارة المعركة. هذا التطور يعكس انتقالاً إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم تعد المواجهة تقليدية، بل قائمة على استنزاف مدروس وضربات نوعية. في المقابل، يواجه الجيش الإسرائيلي تحديات ميدانية متزايدة، سواء على مستوى الحسم العسكري أو احتواء الخسائر.أما الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فتتعرض لضغط مستمر نتيجة القصف والتهديدات، ما يضيف بعداً نفسياً واقتصادياً للصراع، ويطرح تساؤلات حول قدرة المجتمع على تحمّل حرب طويلة الأمد.*إقليمياً، يتصاعد القلق مع التهديد بإستمرار إغلاق مضيق هرمز، واحتمالات تعطيل الملاحة في باب المندب مجدداً، ما يهدد شريان الطاقة العالمي. هذا الواقع دفع العديد من القوى الدولية إلى الضغط على واشنطن باتجاه وقف التصعيد، ليس فقط لأسباب سياسية، بل لتفادي أزمة طاقة عالمية قد تكون من الأشد عالمياً منذ عقود.*في هذا السياق، رفعت طهران سقف شروطها إلى مستويات غير مسبوقة، تشمل انسحاباً أميركياً كاملاً من المنطقة، ورفع العقوبات، وتقديم ضمانات بعدم تكرار الاعتداء، إضافة إلى مطالب مرتبطة بملفات إقليمية أخرى.*في المقابل، تجد واشنطن نفسها أمام معضلة استراتيجية: فالتراجع الكامل يعني خسارة نفوذ طويل الأمد، بينما الاستمرار في التصعيد قد يقود إلى انفجار إقليمي شامل لا تستطيع واشنطن تحمُل تبعاته.*المشهد الراهن يشير إلى صراع مفتوح على كل الاحتمالات، لكنه محكوم بسقف خطير. فإيران تمتلك أوراق ضغط مؤثرة، من الجغرافيا إلى السلاح السرِّي الفتاك إلى الحلفاء وغير ذلك، لكنها تدرك أن الانزلاق إلى حرب شاملة قد يهدد استقرار المنطقة بالكامل، بما فيها الدول القريبة منها. وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن أي مواجهة واسعة في الخليج ستعني تعريض حلفائها ومصالحها الحيوية لمخاطر غير محسوبة.*يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار التصعيد المضبوط، حيث تُستخدم التهديدات القصوى كأدوات ضغط تفاوضي، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. أما سيناريو الانفجار الكبير، الذي قد يشمل الخليج بشكل مباشر، فسيكون بمثابة زلزال جيوسياسي يعيد رسم خريطة المنطقة، ويدفع العالم إلى أزمة طاقة خانقة.*في نهاية المطاف، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحوّلت إلى صراع إرادات مفتوح، تُستخدم فيه كل أدوات القوة، من الصواريخ إلى الاقتصاد، ومن الميدان إلى الحرب النفسية. وبين كل هذه التعقيدات، يبقى الخليج الحلقة الأكثر حساسية، حيث تتقاطع فيه المصالح الكبرى مع أخطر سيناريوهات التصعيد، ما يجعله في قلب المعركة، سواء شاء ذلك أم أبىَ.بيروت في،، 27/3/2026
أضيف بتاريخ : 2026-03-27 10:31:50 |