كتاب واراء

حين يستنزف النفوذ الجغرافيا في الشرق الأوسط تصبح بين صراع المحاور وفرصة التحوّل الإيرانية

كتب إسماعيل النجار،حين يستنزف النفوذ الجغرافيا في الشرق الأوسط تصبح بين صراع المحاور وفرصة التحوّل الإيرانية,*لأنه لم يعد صراعاً بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية في إيران أو مجرّد تنافس سياسي تقليدي، بل تحوّل خلال العقود الماضية إلى عامل بنيوي يعيد تشكيل خرائط الشرق الأوسط، ويؤثر مباشرة في استقرار دوله ومصائر شعوبه. إنه صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجغرافيا بالعقيدة، والاقتصاد بالأمن، وتتشابك فيه الإرادات الإقليمية مع حسابات القوى الدولية.قراءة المسار العام لهذا الصراع تُظهر أنه لم يُدار وفق منطق التوازن، بل غالباً بمنطق الاحتواء وكسر النفوذ، ما أدى إلى تحويل عدد من الدول إلى ساحات اشتباك غير مباشر. من أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، حيث ساهم الدعم الخارجي في تشكيل بيئات فكرية معقدة امتد تأثيرها لعقود، إلى العراق بعد 2003 الذي دخل في دوامة تنافس إقليمي حاد عمّق الانقسام الداخلي، وصولاً إلى سوريا التي تحوّلت إلى نموذج كلاسيكي لحروب الوكالة، واليمن الذي بات عنواناً لأزمة إنسانية مركّبة نتيجة صراع مفتوح منذ عام 2015.وفي لبنان، يتخذ هذا الصراع طابعاً سياسياً حساساً، حيث يتداخل التوازن الداخلي مع حسابات النفوذ الإقليمي، ما يجعل البلاد عرضة دائمة للاهتزازات كلما تصاعد التوتر بين المحاور.*لكن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في وجود الصراع، بل في نمط إدارته. إذ أثبتت التجربة أن استراتيجيات الاستنزاف المتبادل لم تُنتج حسمًا، بل راكمت أزمات ممتدة، وأضعفت بنى الدول، وأرهقت المجتمعات. وفي موازاة ذلك، لعبت القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، دوراً محورياً في توجيه مسارات هذا الصراع، سواء عبر التحالفات أو الضغوط السياسية والاقتصادية، ما زاد من تعقيد المشهد وأطال أمده.اليوم، ومع عودة قنوات التواصل بين الرياض وطهران، تبدو المنطقة أمام لحظة مفصلية. فإما أن تتحول هذه التهدئة إلى مسار استراتيجي يعيد تعريف قواعد الاشتباك، ويؤسس لإدارة عقلانية للخلافات، أو تبقى مجرّد هدنة مؤقتة في صراع لم تتغير أدواته بعد. المؤشرات الحالية بعد اندلاع هذه الحرب على جبهة إيران اميركا وإسرائيل، وحزب الله وإسرائيل تحمل قدراً من الحذر أكثر من التفاؤل. فبنية الصراع لا تزال قائمة، وأدوات النفوذ لم تتبدل جذرياً، فيما تستمر الملفات الإقليمية المفتوحة في الضغط على أي مسار تهدئة. ومع ذلك، فإن كلفة المواجهة التي تكبّدها الجميع خلال السنوات الماضية قد تشكّل دافعاً لإعادة النظر في قواعد اللعبة.الخلاصة الاستراتيجية أن الشرق الأوسط لا يعاني من نقص في الفرص، بل من فائض في إدارة الصراعات بأساليب تقليدية أثبتت فشلها. وإذا لم تنتقل القوى الإقليمية من منطق الصدام إلى منطق إدارة التوازن، فإن المنطقة ستبقى تدور في حلقة مفرغة، تُعاد فيها إنتاج الأزمات نفسها بأثمان أعلى. وهنا الكُرة في ملعب أميركا التي تشعل الصراعات وتخلق الأزمات في كل بقاع الأرض اذا قررت التنازل والاعتراف بقوة الآخرين.فإذا نجحت لحظة التهدئة في التحوّل إلى خيار دائم، فقد يكون الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة جديدة ليس عنوانها إنهاء الصراع، بل ضبطه وهذه وحدها كفيلة بتغيير مستقبل المنطقة.بيروت في،، 25/3/2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة