كتاب واراء

حين يصبح العطاء معنى الوجود: من الألم إلى شراكة النجاة

العمل الإنساني يتجاوز كونه استجابة لحاجةٍ طارئة؛ إنّه إعادة تعريفٍ للوجود نفسه، حيث تتحوّل الحياة من حالة فردية إلى مسؤولية مشتركة. في عمق كل فعل عطاء، يحدث تحوّل صامت يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم، فيغدو الآخر امتدادًا داخليًا لا مجرّد حضور خارجي.في هذا الأفق،( برزت زينب جميل عمار) أبنة جبل عامل من بلدة ميس الجبل المؤمنة بقضية الحق والتي تعمل لأجل أبناء بلدها عنوانها الإنسانية وهدفها العمل لأجل الإنسان، بوصفها أكثر من مؤسسة لمبادرة Help Yemen عام 2018؛ ظهرت كوعيٍ يقظ في لحظة غفلة، كإرادةٍ اختارت أن ترى ما يتجنّبه الكثيرون. لم يكن تأسيسها للمبادرة نتيجة ظرفٍ عابر، بل تعبيرًا عن حسٍّ عميق بالمسؤولية، عن إدراكٍ أن الألم، حين يُهمل، يتحوّل إلى شكلٍ آخر من الظلم. زينب لم تكتفِ بمراقبة المشهد من بعيد، بل دخلت في صلبه، حاملةً فكرة أن الإنسان يُعرّف بقدرته على التورّط الأخلاقي في قضايا غيره.في سياقٍ وُصف فيه اليمن بـ"كربلاء العصر"، اتّخذ فعلها بُعدًا رمزيًا يتجاوز الجغرافيا؛ إذ تحوّل العطاء إلى موقف، والموقف إلى هوية. لم يكن ما قامت به مجرّد تقديم مساعدات، بل إعادة وصلٍ بين الضمير والفعل، بين الشعور والمسؤولية. شخصيتها، كما تتجلّى في هذا المسار، تنتمي إلى أولئك الذين لا يكتفون بالإحساس، بل يدفعون به إلى حدّه الأقصى: الفعل.ومع أنضمام إيمان جميل عمار إلى هذا الطريق، تعزّز المعنى أكثر؛ إذ تحوّل الجهد إلى شراكة، والشراكة إلى بنية دعم حيّة. إيمان عمار لم تكن ظلًّا في هذا المسار، بل حضورًا هادئًا يثبّت المعنى، حيث يتحوّل الإخلاص في دعمها إلى قوةٍ خفيّة تُكمل ما بدأته اليد الأولى،فهي وبكل عز نصفها بأنها الشهيدة الحية التي تعرضت في الحرب السابقة لأصابات كبيرة لم يتوقع احد نجاتها،ولكن قدرة الله كانت هي السبب بنجاتها. وكانت هذه الأصابة البالغة سبب اكبر لأستمرارها في العمل الإنساني وهذا ما تقوم به اليوم، حيث لا تعرف التراجع وهي بين الناس لمساعدتهم دون الألتفات لطائفة او منطقة. ثم جاء التعاون مع مكتب الإمام الحجة خلال السنوات الأخيرة ليمنح هذا المسار بعدًا أوسع، حيث تتلاقى الإرادات حول هدفٍ واحد: صون الكرامة الإنسانية.مساعدة الآخر، في هذا السياق، لا تنبع من فائض القدرة، بل من فائض الإحساس. الإنسان، حين يمنح، يعيد تعريف ذاته، ويتحرّر من حدودها الضيّقة. تتلاشى المسافات بين “الأنا” و“الآخر”، ويغدو العطاء مساحة التقاء يتداخل فيها المصير الإنساني.الحياة، من هذا المنظور، ليست تجربة فردية معزولة، بل نسيجٌ من العلاقات التي تكتسب معناها من التضامن. المجتمع ليس تجمّعًا عدديًا، بل حالة من التواطؤ الجميل على إنقاذ بعضنا البعض. في كل يدٍ تمتدّ، تولد حياة جديدة؛ وفي كل مبادرة، يتكرّس معنى أن الإنسان قادر على أن يكون سببًا في بقاء إنسانٍ آخر.هكذا يُكتب المعنى الحقيقي: في الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة غيره، وفي قدرته على تحويل الألم إلى إمكانية، والضعف إلى مساحة احتواء، والعالم إلى مكانٍ أكثر قابلية للعيش.ورغم هذا الامتداد، يستمر هذا العمل في مساره الهادئ بعيدًا عن ضجيج الإعلام، حيث تُنجَز الأفعال في صمتٍ يشبه الإخلاص، ويُترك الأثر ليتحدّث عن نفسه. وقد تنقّلت مساعداتهم بين أكثر من ساحة ألم، من اليمن إلى غزة، وصولًا إلى لبنان اليوم، في تعبيرٍ حيّ عن أن العطاء لا يعرف حدودًا ولا ينحاز إلا للإنسان. وفي هذا الصمت، يبقى الباب مفتوحًا أمام كل قلبٍ راغب بالمساهمة، إذ ما زالوا يستقبلون تبرعات الناس، في إشارةٍ إلى أن الخير لا ينقطع، بل يتجدّد كلما وُجد من يؤمن بأن إنقاذ الآخر هو أسمى أشكال البقاء.نضال عيسى


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة