لبنان يُختطف… انقلاب مكتمل الأركان بإدارة الخارج.
بقلم الدكتور محمد هاني هزيمة محلل سياسي وخبير استراتيجي.لم يعد ما يجري في لبنان قابلًا للتوصيف كأزمة سياسية عابرة، ولا حتى كخللٍ بنيوي في نظامٍ مأزوم، بل بات أقرب إلى انقلابٍ متكامل الأبعاد، يُنفّذ على مراحل، ويُدار بعناية خارج الحدود، فيما يتكفّل الداخل، المنقسم والمأزوم، بتوفير بيئته الحاضنة.إنه انقلاب لا تُسمع فيه أصوات الدبابات، بل تُدار فصوله عبر الضغوط السياسية والاقتصادية، وعبر إعادة تشكيل موازين القوى من داخل المؤسسات نفسها. انقلابٌ ناعم في الشكل، عميق في المضمون، يطال بنية الدولة، ويعيد صياغة دورها ووظيفتها بما يتناسب مع مصالح الخارج، لا مع أولويات الداخل.لبنان اليوم لا يعيش تحت سلطة دستورية مكتملة، بل تحت واقعٍ سياسي مُركّب، تُفرض فيه الخيارات الكبرى من خارج السياق الوطني. كأنّ الدولة تُسحب تدريجيًا من يد شعبها، وتُعاد صياغتها ضمن مشروعٍ إقليمي واسع، يتجاوز حدودها الجغرافية ليطال موقعها في معادلات الصراع الكبرى.ليست حكومةً تعبّر عن توازنات الداخل، بل سلطةٌ وُلدت تحت ضغطٍ دولي كثيف، وجاءت نتيجة تسوياتٍ مفروضة، لا نتاجًا طبيعيًا للحياة الديمقراطية. سلطةٌ تخطّت الأعراف الدستورية، وتجاوزت ميثاق العيش المشترك، الذي يُشكّل الركيزة الأساسية للكيان اللبناني، لتتحوّل إلى أداة تنفيذ ضمن منظومة إملاءات خارجية.وهنا يكمن جوهر الخطورة: حين تفقد الدولة قرارها السيادي، وتتحوّل مؤسساتها إلى قنوات عبور لمشاريع الآخرين، يصبح الكيان نفسه موضع تساؤل، وتغدو الهوية الوطنية عرضة لإعادة التعريف وفق ميزان المصالح الدولية.لقد خرج الصراع في لبنان من إطاره الداخلي التقليدي، ليتحوّل إلى تقاطعٍ حاد بين إرادات دولية متنافسة، لكلٍّ منها أجندته وأدواته، وبين قوى محلية تجد في هذا الاشتباك فرصةً لإعادة تثبيت مواقعها أو توسيع نفوذها. وهنا تتعقّد الأزمة، إذ لم يعد الانقسام سياسيًا فحسب، بل أصبح صراعًا على شكل الدولة ودورها وموقعها في الإقليم.وفي سياق هذا التحوّل، تتكشّف ملامح مشروعٍ متكامل لإعادة هندسة الواقع اللبناني:محاولات لعزل قوى أساسية، تضييق اقتصادي ومالي ممنهج، ضغط سياسي وإعلامي متواصل، وإعادة إنتاج نخبٍ جديدة أكثر انسجامًا مع التوجّهات الخارجية. إنها عملية إعادة تشكيل شاملة، لا تستهدف السلطة فقط، بل تطال المجتمع نفسه، بنيته، وتوازناته، ووعيه السياسي.وهذا المسار، إن استمر، لا يقود إلا إلى مزيد من الانقسام والتفكك، ويهدّد بتقويض ما تبقّى من صيغة العيش المشترك، التي لطالما شكّلت نقطة توازن هشّ في لبنان. فحين تُضرب هذه الصيغة، لا يعود الخطر سياسيًا فقط، بل وجوديًا يمسّ وحدة الكيان.في المقابل، لا يبدو أن المشهد يسير في اتجاهٍ واحد. فهناك قوى لا تزال ترفض الانخراط في هذا المسار، وتتمسّك بمعادلات القوة التي فرضتها التحوّلات الإقليمية والميدانية خلال السنوات الماضية. قوى ترى في ما يجري محاولةً لإعادة لبنان إلى مربع التبعية، وتعتبر أن المواجهة لم تعد خيارًا، بل ضرورة لحماية التوازنات القائمة.ومن هنا، يدخل لبنان مرحلةً شديدة الحساسية، حيث تتقاطع احتمالات خطيرة:تصعيد سياسي قد يتحوّل إلى صدام مفتوح، ضغوط اقتصادية قد تنفجر اجتماعيًا، أو تسويات جديدة تُفرض تحت سقف الأمر الواقع. وفي كل الحالات، يبقى الثابت الوحيد أن لبنان لم يعد يملك ترف الوقت.لبنان اليوم أمام لحظةٍ مفصلية في تاريخه الحديث:إمّا أن يستعيد قراره الوطني، ويعيد بناء توازناته الداخلية على قاعدة الشراكة الحقيقية،وإمّا أن ينزلق أكثر نحو مسار التفكك، حيث تُدار شؤونه من الخارج، وتُختزل إرادة شعبه في حسابات الآخرين.إنها ليست أزمة حكم، بل أزمة سيادة.وليست مواجهة سياسية فحسب، بل صراع على هوية وطن.وفي خضم هذا المشهد القاتم، يبقى السؤال الأكبر معلّقًا:هل يستطيع لبنان أن يكسر مسار هذا الانقلاب المتدرّج، ويستعيد زمام قراره؟أم أنّ رياح الخارج، بما تملكه من أدوات ضغط ونفوذ، ستنجح في فرض معادلتها على وطنٍ أنهكته الانقسامات؟الإجابة لم تُحسم بعد…لكن المؤكّد أن لبنان يقف اليوم على حافة تحوّلٍ تاريخي،إمّا أن يُكتب فيه كدولةٍ قاومت واستعادت نفسها،أو كوطنٍ سقط بصمت… تحت وطأة الاختطاف.
أضيف بتاريخ : 2026-03-24 17:24:27 |