لماذا أن الإعلام المعادي لإيران، كان ومازال وسيبقى فاشلا؟
هل لانه إعلام لا يُخاطب العقول؟ بل يراهن على تغييبها. فمن يتابع الخطاب المعادي لإيران خلال العقود الماضية، يلحظ بوضوح أنه لم يُبنَ على تقديم حقائق متوازنة، بل على محاولة تشكيل وعيٍ مُسبق لدى المتلقي، وجرّه نحو صورة نمطية جاهزة. هذا النوع من الإعلام لا يبحث عن متلقٍ ناقد، بل عن جمهورٍ يُسلّم بما يُقال دون تمحيص.منذ أكثر من أربعة عقود، تكررت السرديات ذاتها: تضخيم، انتقاء، وتعميم. تُقدَّم الوقائع في كثير من الأحيان من زاوية واحدة، بينما تُهمَل سياقات أساسية قد تغيّر الفهم العام للصورة. هذه الآليات قد تنجح مؤقتاً في التأثير، لكنها تضعف على المدى البعيد، لأن الفجوة تتسع بين ما يُقال وما يراه الناس على أرض الواقع أو عبر مصادر متعددة.الإعلام الذي يكتفي برسم الواقع كما يتمنى، لا كما هو، يواجه مع الوقت مشكلة في المصداقية. فالجمهور اليوم يمتلك أدوات مقارنة أوسع، ويستطيع الوصول إلى روايات مختلفة، ما يجعل من الصعب تثبيت صورة واحدة جامدة. وعندما تتكرر التوقعات ولا تتحقق، أو تُقدَّم تنبؤات لا تصمد أمام الزمن، يتآكل التأثير تدريجياً.كما أن تصوير أي مجتمع بصورة أحادية ... سواء بالتمجيد المطلق أو بالشيطنة المطلقة ... يُعد اختزالاً مُخلّاً. المجتمعات بطبيعتها معقدة ومتنوعة، وفيها اختلافات وآراء متعددة. تجاهل هذا التنوع يفقد الخطاب الإعلامي عمقه، ويحوّله إلى مادة دعائية أكثر منه تحليلاً واقعياً.من جهة أخرى، فإن المبالغة في الخصومة تُنتج خطاباً متشنجاً، يبتعد عن المهنية ويقترب من التعبئة. ومع مرور الوقت، يصبح هذا الخطاب أقل قدرة على الإقناع، خاصة لدى الفئات التي تبحث عن فهم أعمق لا عن مواقف جاهزة. وهنا تظهر مفارقة واضحة: كلما ازداد الخطاب حدةً وتبسيطاً، قلّ تأثيره خارج الدوائر التي تتبناه مسبقاً.إن فشل أي منظومة إعلامية لا يُقاس فقط بمدى انتشارها، بل بقدرتها على الصمود أمام النقد وتعدد المصادر. والإعلام الذي لا يطوّر أدواته ولا يراجع سردياته، يبقى أسير تكرارٍ يضعف أثره مع الزمن.في النهاية، يبقى الوعي النقدي لدى المتلقي هو العامل الحاسم. فحين يُقابل الخطاب الإعلامي بأسئلة وتمحيص، يصبح من الصعب تحويل الجمهور إلى مجرد متلقٍ سلبي. وهنا تحديداً تتكشف حدود أي خطاب يعتمد على التوجيه أكثر من اعتماده على الإقناع.بقلم جليل هاشم البكاء
أضيف بتاريخ : 2026-03-21 14:42:55 |