من حكومة فرنسا بيتان إلى حكومة نواف لبنان!
د. عدنان منصور* بعد أن زحفت القوات النازية الألمانية على فرنسا مع بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939، واستولت على أجزاء واسعة منها، تم يوم 22 يونيو/ حزيران 1940 توقيع اتفاق هدنة بين فرنسا وألمانيا النازية، إثر الاحتلال النازي للجزء الشمالي والغربي من فرنسا، والإيطالي للجزء الصغير من الجنوب الشرقي، أما ما تبقى من مساحة فرنسا، فقد خضع لسيطرة حكومة فيشي Vichyنسبة للمدينة الواقعة جنوب فرنسا، الموالية لألمانيا النازية، والتي ترأسها المارشال فيليب بيتان Pétain الذي قاد الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى.سيطرت حكومة بيتان على الحكم بين عامي 1940 و 1944 وأنهت الجمهورية الفرنسية الثالثة، لتقود دولة حملت اسماً جديداً “دولة فرنسا “Etat Francais”، التي انتهت بعد تحرير فرنسا على أيدي الحلفاء والمقاومة الوطنية الفرنسية.اعتمد المارشال بيتان نظاماً دكتاتورياً عنصرياً، أطاح بالقيم والحريات، والديمقراطية، وحقوق المواطن، وخضع للنازية وتعاون معها بشكل كامل على حساب سيادة فرنسا ومصالحها، ومقاومتها للاحتلال النازي، إذ قام بملاحقة واضطهاد المقاومين الوطنيين الفرنسيين، وتسليم العديد منهم للسلطات النازية الألمانية. كما نفّذ بيتان كافة الشروط المذلة التي فرضتها ألمانيا النازية على فرنسا بموجب اتفاق الهدنة.بعد اندحار جيش الاحتلال النازي وتحرير فرنسا، بدأت محاكمة بيتان يوم 23 تموز/ يوليو 1946، حيث وجّهت إليه تهمة الخيانة العظمى، لتعاونه مع العدو (ألمانيا النازية)، وقيادته لحكومة فيشي المتعاملة مع النازية خلال الفترة الممتدة بين عامي 1940-1944.بعد انتهاء محاكمته، صدر الحكم بحق بيتان يوم 14 ـ 15 آب/ أغسطس 1945، وصدر الحكم عليه بالإعدام، إلا أنّ الحكم خُفّف بسجنه مدى الحياة نظراً لتقدّمه في العمر (89 سنة)، ليمضي ما تبقى من حياته في سجن قلعة بورت جوانفيل،Fort de Port-Joinville في جزيرة يو Ile d’Yeu قبالة الساحل الغربي لفرنسا، حتى وفاته عام 1951 عن عمر 95 سنة.هذه هي حكومة بيتان، فماذا عن لبنان، وحكومة نواف سلام، وعدوان “إسرائيل” المتواصل على لبنان، وشعبه، وأرضه، وسيادته؟! ماذا عن مواجهة احتلال الجيش الإسرائيلي لجزء من جنوب لبنان والدفاع عن أرضه؟! ماذا عن اندفاع الحكومة اللبنانية “العتيدة” لإجراء مفاوضات مباشرة، فيما هي في حالة ضعف تجاه دولة الاحتلال الإسرائيلية؟! حكومة مجرّدة من القوة، لكونها لم تستطع بعد إيجاد “حليف” حقيقي قوي، للاعنماد عليه، ليأخذ بيدها ويقف إلى جانبها! في حين شربت الدولة “الشجاعة” حليب السباع، عندما قرّرت نزع السلاح “غير الشرعي”، لتحصر فيها وحدها الحق في “حماية” لبنان الوطن، والدفاع عن شعبه، والعمل على تحرير أرضه، بنهج ترك ارتياحاً لدى دول الخارج المؤثرة والمعنية بلبنان، كالولايات المتحدة و”إسرائيل”، ولا “يزعجهما”؟!ما الذي ينتظره اللبنانيون من مفاوضات مباشرة ستجريها الحكومة اللبنانية مع دولة الاحتلال، فيما هي مجرّدة من أيّ قوة تستطيع من خلالها تحقيق التوازن في المطالب أثناء المفاوضات، التي يعوّل عليها كثيراً كلّ من رئيسي الجمهورية والحكومة.من المؤسف، أنّه وقبل إجراء المفاوضات، كشف الجانب اللبناني عن أوراقه مسبقاً، وهو في موقع الضعف، خاصة أن ليس للبنان من حليف قوي يقف إلى جانبه للدفاع عن حقوقه، وهو الذي خبر جيداً الموقف الأميركي المنحاز كلياً لـ “إسرائيل”، والذي ظهر علناً أثناء عمل اللجنة الخماسية، وبعدها في آلية الميكانيزم، وتعمد واشنطن على عدم الضغط على “إسرائيل” لوقف عدوانها على لبنان، وعدم حملها على الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه يوم 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.الجانب اللبناني بتخبّطه سيذهب إلى التفاوض مجرداً من أيّ ورقة ضغط، يستطيع وضعها على طاولة المفاوضات، ما سيجعل العدو يرفع من سقف شروطه المذلة، ومطالبه، وابتزازه، لأنه يدرك مسبقاً، أنّ هناك في الداخل اللبناني من هم كثر، وعلى مختلف المستويات، من مسؤولين، وزعماء وسياسيين، وإعلاميين، وأكاديميين، ونشطاء، وأحزاب، وأفراد، على شاكلة فيليب بيتان، أعربوا جهاراً عن غزلهم،وتأييدهم، وتبريرهم لما يقوم به العدو الإسرائيلي من عدوان مدمّر على لبنان وشعبه، داعمين ومباركين بكلّ وقاحة، وبجاحة، وانحطاط أخلاقي وسياسي لا مثيل له، اعتداءاته، وإعطائه الحق في ما يقوم به من عدوان متواصل على أرضه وشعبه. وما كلمة لبنان في مجلس الأمن التي صاغها “جهابذة” الحكم في الداخل اللبناني بالتوافق والتضامن، ليلقيها بحذافيرها مندوب لبنان الدائم في مجلس الأمن كما هي، والتي لم تشر لا من قريب او بعيد إلى ما قامت وتقوم به “إسرائيل” من جرائم بحق الشعب اللبناني، لَيَدلّ على مدى هزالة، وضعف، وهشاشة موقف الدولة اللبنانيّة. إذ جاءت كلمة لبنان في مجلس الأمن لترضي الجانبين الأميركي والإسرائيلي على حدّ سواء، وتدين جهة لبنانية تتصدّى للاحتلال، وترفض الهيمنة الخارجية على لبنان. لم تتوقف هزالة الموقف اللبنانيّ عند هذا الحدّ، بل نراه معيباً جداً، وواضحاً كلّ الوضوح عندما قام المندوب “الإسرائيلي” بإلقاء كلمته، محمّلاً لبنان مسؤولية ما يجري من عدوان عليه، دون أن يتلقى رداً لبنانياً صارماً داخل المجلس، ويدحض مزاعم وأكاذيب مندوب “إسرائيل”، وما ارتكبته وترتكبه دولته من مجازر وحشيّة بحق شعب لبنان!للمرة الأولى داخل مجلس الأمن، نرى دولة تتعرّض أمام 15 عضواً لاتهامات خطيرة، باطلة من قبل دولة أخرى، ولا يقوم مندوبها الدائم بالردّ عليه بكلّ قوة، وذلك بسبب التعليمات الصارمة التي صيغت في مطبخ الحكومة، والتي ألزمته التقيّد بها حرفياً!إنّ صمت لبنان عما زعمه مندوب “إسرائيل” في مجلس الأمن، وعدم الردّ عليه بالوقائع والحقائق، ليؤكد لأعضاء مجلس الأمن اعتراف لبنان ضمنياً بصحة مزاعم المندوب الإسرائيلي، والموافقة على ما أدلى به، نتيجة صمت لبنان المريب أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي ما جعل الموقف اللبناني في مجلس الأمن عارياً في الشكل والأساس!ماذا لو كان هناك في لبنان من قضاء سياديّ حر، شفاف يطبّق القوانين الجزائية بحذافيرها، ذات الصلة بالعمالة مع العدو، واستجلابه، والدفاع عن سياساته، وتبرير جرائمه، والتواصل والتعامل معه سراً وعلانية، بالمباشر أو بالواسطة!الحكومة اللبنانية تستعجل المفاوضات، فيما “إسرائيل” التي تعرف بئر الحكومة وغطاه، ترى نفسها أنّها ليست على عجالة من الأمر، فهي تريد أن تنهك الجانب اللبناني وتشلّه، وتحقق مبتغاها في قضم أراضٍ لبنانية إضافية، قبل أن تبدأ بالمفاوضات، وذلك، بعد أن جعلت الحكومة اللبنانية شغلها الشاغل، نزع السلاح “غير الشرعي” في الداخل، لتقوم بنشر جيشها في الجنوب، وفي ما بعد سحبه من أمام العدو.الذين يراهنون على المفاوضات، ويعلّقون الآمال الكبيرة عليها نقول: “إسرائيل” لن تعطيكم ما تريدون، لأنها تعرف جيداً مَن معها، ومَن يقف إلى جانبها، ومَن هو عليها، كما تعرف جيداً عجز لبنان الذي جرّد نفسه من كلّ قوة، وليس لديه حليف قويّ. إذ انّ الولايات المتحدة التي تعوّل عليها الحكومة الآمال وهماً، لن تكون مطلقاً إلى جانب لبنان، ولا المساعد على إنقاذه!يا سادة الحكم! “إسرائيل” تعوّدت على المراوغة، والمماطلة، والنفاق، وإضاعة الوقت! “إسرائيل” تريد الأرض ولا تبحث عن السلام! السلام الذي تريده سلام الأمر الواقع، سلام الاستسلام، سلام الإذلال الذي تعتزم فرضه على لبنان، طالما أنّ هناك في الداخل، مَن يتماهى معها ويظرّف أفعالها، وما أكثر العملاء والمنتفعين، والمتواطئين! أنظروا إلى ما فعلته “إسرائيل” باتفاق أوسلو، وما فعلته خلال العامين الماضيين في الضفة الغربية، وفي سورية، ولبنان، وإيران وغيرها!أيّها السادة!“إسرائيل” تريد الأرض، وتريد طاقة لبنان ومياهه، وهي تستعدّ للتنصّل من اتفاقية ترسيم الحدود البحريّة العائدة للمنطقة الاقتصادية الحصرية للبنان، والانسحاب منها، فما أنتم فاعلون؟! هل ستحقق حكومة سلام من خلال التفاوض انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي اللبنانية المحتلة دون قيد أو شرط، أم ستقبل بانسحاب تقيّد به “إسرائيل”، سيادة لبنان، وكرامته، وحرية قراره، وتفرض عليه مشاريع مشبوهة أمنية، وطاقوية واقتصادية وغيرها من المشاريع الملغومة التي تبيّتها وتحضّرها كلّ من “إسرائيل” والولايات المتحدة للبنان وبلدان المنطقة؟!من الغرابة والعجب أنّ العديد من زعماء وسياسيّي لبنان، يرون في الولايات المتحدة العضد والسند، ويرون في دول أوروبيّة الداعم والعون لهم عند الشدة، متجاهلين عمداً أو غباء، أنّ الصديق والحليف بدون منازع لأميركا وأوروبا هي “إسرائيل” وليس لبنان، الذي سيبقى على الدوام كبشاً على مذبح واشنطن وتل أبيب على حدّ سواء، إلى أن يدخل نهائياً في بيت الطاعة الأميركي – الإسرائيلي !وحدها الأسابيع المقبلة ستجيب عن مدى حجم الحصاد الذي ستجنيه حكومة سلام “العلية”، من المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”، قبل أن تلتزم هذه الأخيرة باتفاق وقف إطلاق النار، وتوقف عدوانها المتواصل، وما إذا كان هذا الحصاد سيحفظ كرامة لبنان وشعبه، ووحدة أرضه، وسيادته، واستقلاليّة قراره الحر…!*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق
أضيف بتاريخ : 2026-03-20 09:02:49 |