كتاب واراء

الكل كان ينتظر ... بوصلة المواقف ...

ان الصراع ليس عابرا أو جولة من جولات التوتر المعتادة، بل أنه لحظة ترقب كبرى، يجلس فيها كثيرون على أطراف مقاعدهم، يحدقون في الأفق، ينتظرون لحظة الانقضاض على ما تصوروه الكعكة التي ستُقسَّم فور أن تنتهي الولايات المتحدة وإسرائيل من تنفيذ ما خططتا له طويلاً. كان هناك من يعتقد أن المسألة مسألة وقت، وأن النهاية محسومة، وأن أبواب الغنائم ستفتح على مصاريعها لمن اصطف في هذا المحور أو راهن عليه.لم يكن المنتظرون طرفاً واحداً، بل طيفاً واسعاً من اللاعبين، بعضهم أعلن موقفه صراحة، وبعضهم اختبأ خلف ستار الحياد أو البراغماتية، فيما كان آخرون يراقبون بصمت، يهيئون أنفسهم لاقتناص الفرصة في اللحظة المناسبة. حتى داخل إيران نفسها، وفي الشتات خارجها، كان هناك من راهن على هذا السيناريو، وظن أن الرياح ستجري بما يشتهي، وأن التغيير سيأتي محمولاً على صواريخ الآخرين.لقد كُتبت سيناريوهات كاملة لما بعد الإنجاز المزعوم. خطط للاحتفال، ترتيبات لإعادة التموضع، ووعود بتقاسم النفوذ والمصالح. بعضهم كان واثقاً إلى درجة أنه بدأ يتحدث بلغة المنتصر قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية. آخرون أعدّوا حقائبهم السياسية والإعلامية، بانتظار لحظة الإعلان، وكأن التاريخ قد حُسم سلفاً.لكن ما لم يكن في الحسبان، هو أن إيران لم تكن تلك الصورة التي رسمها خصومها أو صدّقها المراهنون عليها. إيران التي خيّبت الظنون، لم تفعل ذلك بقرار مفاجئ أو رد فعل عابر، بل بمنظومة متكاملة: شعب يمتلك وعياً عميقاً بطبيعة التحديات، وقيادة تدير الصراع بعقل بارد وبُعد نظر، وجيش يعرف متى يرد وكيف يرد، دون أن ينجر إلى الفخاخ المعدّة له.لقد سقطت الطبخة قبل أن تنضج. تفككت خيوطها، وارتبكت حساباتها، لأن من أعدّها بنى تقديراته على أوهام، وعلى معلومات مشوّهة، وعلى قراءة سطحية للواقع. ظنوا أن الضغط سيكسر الإرادة، وأن الحصار سيخلق الانقسام، وأن الضربات ستفتح الأبواب المغلقة. لكن ما حدث كان العكس تماماً.إيران لم تكتفِ بإفشال المخطط، بل فعلت ذلك بأسلوب جعل خصومها في حالة مراجعة قاسية. لم تمنحهم المواجهة التي يريدونها، ولم تقع في التوقيت الذي حددوه، بل أعادت رسم المشهد وفق إيقاعها هي. هذه القدرة على إدارة الصراع، لا على الانفعال معه، كانت العامل الحاسم في قلب الموازين.أما أولئك الذين كانوا ينتظرون حصتهم من الكعكة، فقد وجدوا أنفسهم أمام واقع مختلف تماماً. لا كعكة، ولا تقسيم، بل فاتورة ثقيلة من التبعات، السياسية والاقتصادية والأمنية. بعضهم سيحاول التراجع بصمت، وبعضهم سينكر رهانه، لكن آثار تلك اللحظة ستبقى محفورة في مسارهم.والأكثر إثارة، أن العالم قد يفاجأ بأسماء لم تكن في الواجهة، كانت تراهن في الخفاء، وتستعد للاحتفال، لتجد نفسها الآن في موقع الحرج أو المساءلة. فالمراهنات في مثل هذه الصراعات لا تبقى سرية إلى الأبد، ونتائجها لا يمكن إخفاؤها.في النهاية، لم يكن المشهد مجرد فشل خطة، بل سقوط سردية كاملة بُنيت على التقليل من شأن الخصم، وعلى تضخيم القدرة الذاتية. وما بين الانتظار الطويل وخيبة الواقع، يتعلم البعض الدرس، بينما يصر آخرون على تكرار الخطأ ذاته.لكن المؤكد، أن من ظن أن الطريق إلى الغنائم مفروش بقرارات الآخرين، سيكتشف أن حسابات الميدان لا تُكتب في غرف الانتظار، وأن من لا يعرف طبيعة خصمه، سيدفع ثمن أوهامه مضاعفاً.بقلم جليل هاشم البكاء


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة