كتاب واراء

أمة لا تسقط… كيف بقيت إيران واقفة رغم استهداف قياداتها؟

بقلم/ عامر جاسم العيدانيليست قوة الدول دائما في سلاحها أو جيوشها أو تحالفاتها بل كثيرا ما تكمن في العقيدة التي يؤمن بها شعبها وفي الفكرة التي تجمع أبناءها فحين تتحول العقيدة إلى جزء من الوعي الجمعي للأمة يصبح الصمود أمام الأزمات أكثر من مجرد موقف سياسي بل يتحول إلى إيمان راسخ يدفع الناس إلى التضحية والاستمرار،وفي الحالة الإيرانية تبدو العقيدة الإسلامية والإيمان العميق بها أحد أهم العوامل التي منحت الدولة والمجتمع قدرة كبيرة على الصمود. فالنظام السياسي في جمهورية إيران الإسلامية قام منذ بدايته على فكرة دينية سياسية ترى أن الدفاع عن الدولة هو دفاع عن العقيدة والهوية معا وهذا الإيمان سواء اتفق معه الآخرون أم اختلفوا خلق لدى قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني شعورا بالمسؤولية والاستعداد لتحمل التضحيات.ومن هنا يبرز المشهد الذي يثير تساؤلات كثيرة في العالم دولة تُستهدف قياداتها العليا وتغتال شخصيات بارزة فيها، ومع ذلك تبقى الدولة قائمة ومتماسكة وفي العادة يؤدي فقدان القيادات الكبرى إلى إرباك الأنظمة السياسية وربما انهيارها لكن ما يحدث في إيران يبدو مختلفا إلى حد كبير.إن تفسير ذلك لا يقتصر على البعد العسكري أو الأمني فقط بل يرتبط بطبيعة البنية التي قامت عليها الدولة. فإيران لا تعتمد على قائد واحد أو مركز قرار فردي بل على منظومة مؤسسات سياسية وعسكرية ودينية مترابطة تتوزع فيها الأدوار والقيادات مما يجعل الدولة قادرة على الاستمرار حتى عند فقدان شخصيات مهمة.كما أن المجتمع الإيراني نفسه تشكل عبر عقود طويلة من المواجهة مع الضغوط الخارجية بدءا من الحرب العراقية الإيرانية مرورا بالعقوبات الاقتصادية وصولا إلى التوترات العسكرية والسياسية المستمرة فهذه الظروف صنعت لدى الإيرانيين حالة من التماسك الداخلي والشعور بأن بلدهم في مواجهة دائمة مع تحديات كبرى.ولعل اللافت أيضا أن اغتيال القيادات في إيران لا يؤدي في كثير من الأحيان إلى إضعاف الجبهة الداخلية بل يتحول إلى عامل تعبئة معنوية فخطاب “الشهادة” المرتبط بالعقيدة الدينية يجعل من فقدان القيادات حدثا يدفع إلى مزيد من الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها.إن الدول التي تنهار سريعا هي تلك التي تقوم على شخص واحد أو سلطة فردية مطلقة فإذا غاب ذلك الشخص انهار البناء كله. أما الدول التي تمتلك مؤسسات راسخة وفكرة جامعة لشعبها فإنها تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.ولهذا يمكن القول إن بقاء إيران رغم استهداف قياداتها لا يعود فقط إلى قوتها العسكرية أو الأمنية بل إلى مزيج معقد من العقيدة الدينية والهوية الوطنية والبنية المؤسسية للدولة.قد يختلف كثيرون مع سياسات إيران أو توجهاتها لكن من الصعب إنكار حقيقة واضحة هو أن دولة تفقد بعض قياداتها وتظل قائمة ومتماسكة هي دولة تمتلك جذورا عميقة في مجتمعها.ومن هنا يمكن فهم هذه الحقيقة إن قوة الدول لا تقاس فقط بمن يقودها بل بمن يقف خلفها وحين تكون هناك أمة تؤمن بفكرة وتتمسك بعقيدتها فإن سقوط القادة لا يعني سقوط الدولة بل قد يكون بداية لمرحلة جديدة من الصمود.ولهذا يبدو السؤال مشروعا أي أمة هذه التي تستهدف قياداتها العليا ومع ذلك تبقى واقفة؟ربما تكون الإجابة الأقرب إنها أمة تشكلت عبر التاريخ على فكرة الصبر والصمود وترى في العقيدة والإيمان قوة لا تقل أثرا عن السلاح ، إنها جمهورية إيران الإسلامية.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة