لبنان بعد الحرب في المنطقة يترنح بين تسوية كبرى أو انفجار سياسي داخلي.
كتب إسماعيل النجار،*بكل تأكيد لم تعد الحرب الدائرة في المنطقة مجرد مواجهة عسكرية محدودة، ولا مجرد جولة من جولات الصراع التقليدي بين المقاومة وإسرائيل. وما يجري اليوم هو تحول استراتيجي كبير في ميزان القوى في منطقة غرب آسيا، حيث تتكشف حقيقة كُبرى كانت تحاول واشنطن وتل أبيب إخفاءها عن العالم لعقودٍ طويلة،*أن محور المقاومة لم يعد مجرد تحالف سياسي أو عسكري، بل أصبح قوة إقليمية قادرة على فرض المعادلات وتعطيل المشاريع الكبرى.*الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل دخلوا هذه الحرب بأهداف واضحة. على رأسها إضعاف إيران، كسر محور المقاومة، وإعادة رسم توازنات المنطقة بالقوة. لكن ما حدث حتى الآن يقول شيئاً مختلفاً تماماً. فبدلاً من انهيار الجمهورية الإسلامية، صمدت إيران تحت أعنف الضغوط العسكرية والاقتصادية، واستطاعت تحويل المواجهة إلى حرب استنزاف إقليمية أربكت الحسابات الأميركية والإسرائيلية، ودفعت العالم كله إلى حافة أزمة طاقة غير مسبوقة مع التهديد بإغلاق مضيق هرمز.في هذه المواجهة، لم تكن إيران وحدها. فقد أثبتت قوى محور المقاومة في أكثر من ساحة أن ما كان يوصف سابقاً بـ الأذرع أصبح اليوم جبهات متكاملة قادرة على الاشتباك والتأثير في مسار الحرب. من غزة إلى العراق، ومن اليمن إلى لبنان، ظهر أن هذا المحور بات يمتلك القدرة على الصمود وإعادة إنتاج القوة في قلب المعركة.*أما في لبنان، فقد تحوّل الجنوب إلى ساحة اختبار قاسية لكل النظريات العسكرية التي بنت عليها إسرائيل تفوقها طوال عقود. فالمقاومة، رغم آلة الحرب الهائلة، ما زالت تقاتل وتمنع تحقيق الأهداف الإسرائيلية المعلنة، ما يعكس أن ميزان الردع لم ينكسر كما كانت تراهن تل أبيب.*لكن ما يجري عسكرياً ليس سوى نصف الصورة. النصف الآخر هو الصراع السياسي الداخلي في لبنان، وهو صراع لا يقل خطورة عن الحرب نفسها. فالانقسام الداخلي اليوم بلغ مستويات غير مسبوقة. هناك فريق يرى أن المعركة هي معركة وجود في مواجهة المشروع الإسرائيلي في المنطقة، وأن صمود المقاومة هو صمود للبنان نفسه. وفي المقابل، هناك فريق آخر يعتقد أن استمرار هذا النهج يعرّض الدولة اللبنانية لخطر الانهيار الكامل، ويدفع باتجاه تسويات سياسية قد تصل إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.*وسط هذا الانقسام، جاءت تصريحات الحاج محمود قماطي العالية السقف لتكشف حجم الاحتقان الكامن تحت السطح. فالتلويح بأن للصبر حدوداً، واستحضار تجربة حكومة فيشي الفرنسية، ليس مجرد خطاب سياسي عابر، بل رسالة واضحة بأن الصراع الداخلي قد يدخل مرحلة أكثر حدة بعد انتهاء الحرب.وهنا تكمن المفارقة اللبنانية الكبرىفبينما يتشكل في الإقليم توازن ردع جديد عنوانه صعود إيران ومحور المقاومة كمعادلة صعبة في غرب آسيا، يقف لبنان على حافة أزمة داخلية قد تكون أخطر من الحرب نفسها.إن نهاية هذه الحرب، أياً تكن نتائجها، لن تعني نهاية الصراع في لبنان. بل قد تكون بداية فصل جديد منه. فإذا خرج محور المقاومة من المواجهة صامداً ومنتصراً وهو ما تشير إليه الكثير من المؤشرات حتى الآن فإن ذلك سيعزز موقعه السياسي والشعبي داخل لبنان، وسيضع خصومه أمام واقع جديد لم يكونوا مستعدين له.*أما إذا فُرضت تسوية دولية كبرى في المنطقة، فإن لبنان سيجد نفسه مرة أخرى في قلب معادلة إقليمية معقدة، حيث تختلط الضغوط الدولية بالحسابات الداخلية، ويصبح كل قرار سياسي جزءاً من صراع أكبر من حدود هذا البلد الصغير. في كل الأحوال، الحقيقة التي لم تعد قابلة للإنكار هي أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة.مرحلة لم تعد فيها الهيمنة الأميركية والإسرائيلية مطلقة كما كانت في الماضي، ومرحلة أصبح فيها محور المقاومة لاعباً أساسياً في رسم معادلات القوة في غرب آسيا.*لبنان، كعادته، يقف في قلب هذه التحولات.إما أن ينجح في تحويل صمود أبنائه إلى فرصة لبناء دولة أكثر تماسكاً وقوة،وإما أن يبقى أسير انقساماته الداخلية، فيتحول مرة أخرى إلى ساحة تصفية حسابات بين القوى الكبرى. بين هذين الاحتمالين يقف مستقبل لبنان معلّقاً بين تسوية إقليمية كبرى قد تعيد رسم خرائط النفوذ،أو انفجار سياسي داخلي قد يكون أخطر من الحرب نفسها يفوز فيه الأقوى عسكرياً.بيروت في،، 17/3/2026
أضيف بتاريخ : 2026-03-17 01:22:51 |