لماذا انفجر الشارع الشيعي بوجه رجال الدين.. ولم ينفجر بوجه الحزب؟
*بقلم: ناجي علي أمهز*مثلما أخطأ خصوم الحزب في تقييم مكامن قوته، سقطت غالبية المقربين منه في فخ "سوء فهم أحجامهم" الحقيقية. فالسياسي الذي صنعه حزب الله، ومنحه الغطاء المالي والزخم الشعبي، توهم للحظة أنه بات أكبر من الحزب، أو شريكاً له في القرار الاستراتيجي؛ لكن الواقع أثبت أنه بمجرد أن رفع الحزب يده عنه، سقط هذا السياسي سقوطاً مريعاً في ميزان القوى.هذا "التورم" في الأنا طال أيضاً مؤسسات إعلامية وإعلاميين ممن "نفخهم" دعم الحزب وألبسهم حلة الحضور، حتى ظنوا واهمين أنهم صناع النصر وسبب الصمود. ومع أول اختبار للابتعاد عن عباءة الحزب، تبين أنهم أقل تأثيراً في الشارع من "بائع بطاطا" يصرخ عبر مكبر صوته "2 كيلو بألف"؛ لأن نمطهم الفكري والتحليلي لا يُصرف ولا يُقبل إلا في بيئة الحزب التي كانت تعتبرهم مجرد "ديكور" أو مكملاً للمشهد. والدليل أن كل "إعلام المقاومة" (المستفيد) سقط، ليس مهنياً فحسب، بل حتى قانونياً حيث بات مصطلح "مقاومة" بحد ذاته محظوراً رسمياً.وللأسف، وقع الكثير من رجال الدين الشيعة في الفخ نفسه؛ فرجل الدين الذي كان الحزب يستقبله ويجله ويضعه في الصفوف الأولى، اعتقد أن تلك الجماهير تحتشد خلف "شخصه"، وبدأ يطمح لأن تهتف الناس باسمه كما تهتف باسم الأمين العام للحزب. انغمس هؤلاء في دهاليز السياسة والإعلام وتوهموا أنهم يملكون القرار، وظنوا أنهم فوق النقد، متناسين حقيقة ساطعة: *"أن الولاء الشعبي الشيعي للحزب نابع من "الخدمة والتضحية" والدم، وليس من "العمامة" بحد ذاتها."*لذلك رجل الدين الذي يريد ان يتقدم الناس بالخطابات فقط، عليه ان يعلم ان الذكاء الاصطناعي اليوم اكثر خبرة منه بالخطابة، فالذي يريد ان يتقدم الناس عليه ان يقدم للناس.هذه المحنة التي يمر فيها الشيعة جعلت الشيعة يؤمنون ايمانا كاملا انه بظل امكانيات الدولة وتقاعس رجال الدين الشيعة، بان لا احد لهم الا الحزب، فهم شاهدوا ويعشيون الفرق بين نزوح الامس واليوم، وبحال لا سمح الله انهارت مؤسسات الحزب الاجتماعية، لن يبقى شيعة ولا رجال دين.من هنا هذا المقال ليس دفاعاً عن الحزب، بل هو توصيف دقيق لكيفية تفكير الشارع الشيعي؛ كي يتوقف خصوم الحزب عن التوهم بأن معمماً من هنا أو سياسياً من هناك قادر على التأثير ولو بنسبة 1% على بيئة الحزب، الذي يمثل "الشريان الحياتي" لهذه الطائفة.يمر لبنان اليوم، وتحديداً في هذا المنعطف الخطير (آذار 2026)، باختبار وجودي لا يرحم. ومع اشتداد وطأة الحرب والنزوح، تبرز تساؤلات مشروعة تنبض من وجع الناس؛ صرخة حرص على دور "رجل الدين" والمؤسسة التي يمثلها. إن المتتبع لتاريخ الحضور الديني الشيعي يدرك أن المكانة الحالية لم تأتِ من فراغ، بل كانت ثمرة لمسار بدأ مع الثورة الإسلامية وتضحيات المقاومة الاسلامية. قبل الثمانينيات، كان رجل الدين يعيش زهداً قسرياً، بعيداً عن صالونات القرار، يعاني شظف العيش ليبقى وفياً لرسالته.حتى الإمام السيد موسى الصدر نفسه، لم يكن يمتلك سيارة خاصة إلا قبل تغييبه بعامين تقريباً، حين اشترى سيارة مستعملة وقديمة بالكاد تتسع له. أما اليوم، فنحن أمام مواكب سيارات تحتاج من المحروقات أكثر مما تحتاجه مياه الوضوء والطهارة!مع مدرسة الإمام الخميني، تلك الشخصية التي فرضت هيبتها على الغرب، تحول رجل الدين إلى ركن أساسي في قيادة المجتمع. هذه الهيبة المستمدة من كاريزما الامام الخميني والامام المغيب الصدر والسيد نصرالله، هي التي منحت رجل الدين المنبر والجاه والامتداد الشعبي. لكن هذه المكانة "أمانة" وليست "امتيازاً". والتاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي لا تجد مؤسساتها الدينية بجانبها في ذروة المحن، تصاب بـ "اغتراب" تجاهها، كما حدث في الثورة الفرنسية.وهنا نكون صريحين؛ لا أحد يحدثني اليوم عن فلان "فقيه" أو "علامة"؛ فمع قدسيتنا لكل اجتهاد، إلا أن الناس بحاجة إلى الطعام والدعم لتستوعب. الفتاوى حول "جنس الملائكة" أو تفاصيل الطهارة لا يمكن تطبيقها والناس جياع تنام في العراء. ولولا دعم الحزب لهذه البيئة التي باتت قادرة على دفع الخمس والزكاة، لكان الناس قد خيبوا ظن 90% من رجال الدين ومنعوهم حتى من هذه الفريضة.اليوم، والناس يفترشون الطرقات، آن الأوان لتتحول "الجمعيات الشيعية" من إطارات خيرية على طريقة "جحا وأهل داره" أو مظاهر اجتماعية، إلى خلايا نحل تتقاسم لقمة العيش مع الناس، كما كان يفعل الأئمة الأوائل. إن أي تقصير اليوم كلفته باهظة. ولا يجوز الاتكال فقط على الحزب؛ فرجال الدين المنضوون فيه تميزوا لأنهم قاتلوا واستشهدوا وخدموا الناس تحت القصف، ولذلك تذكر الناس "هدايا السيد نصرالله" بامتنان.بالمقابل، نرى متمولين شيعة "يشتمون أنفسهم" لأنهم تبرعوا لجمعيات تبين أنها بلا أثر في المحن. لذا، لم يستغرب المراقبون انفجار الشارع بوجه هذه الجمعيات ورجال الدين الشيعة، بينما لم ينفجروا بوجه الحزب رغم كل التحريض الإعلامي. فالناس يدركون الفارق؛ يتذكرون زمن الإقطاع السياسي وكيف كانوا قبل دعم الحزب وإيران، وكيف كان الشيعة يعملون في ادنى مهن الحياة لتأمين قوت يومهم.ختاماً، على رجال الدين والجمعيات الانتباه جيداً لهذا الغليان؛ فإذا استمر هذا التقاعس، فإن أحداً، حتى الحزب نفسه، لن يستطيع كبح جماح هذا الغضب الشعبي العارم.
أضيف بتاريخ : 2026-03-16 13:51:00 |