كتاب واراء

حرب ترامب ـ نتنياهو ومستنقع إيران!

د عدنان منصور لم تفلح كلّ التحذيرات التي أطلقها العديد من الجنرالات الأميركيين السابقين والحاليين، وقادة وخبراء عسكريين أجانب، من أن تثني الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتصرف نظره عن اللجوء إلى حرب ضدّ إيران. بل آثر “داعية السلام” المتعطش للحرب، السير في مغامرته العسكرية، التي دشنها بقصف مدرسة ابتدائية للأطفال في مدينة ميناب، بصاروخ توماهوك أوْدى بحياة 184 شهيداً، 14 معلماً و170 طفلة، في واحدة من أشدّ الضربات فتكاً خلال الحرب عليها، منصاعاً لصقور البنتاغون والحزب الجمهوري، واندفاعهم للحرب، متناغمين مع إلحاح وضغوط رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو، ومجموعات الضغط اليهودية داخل الولايات المتحدة.لقد جرت نقاشات، ووجّهت انتقادات من قبل جنرالات أميركيين متقاعدين حول جدوى الحرب مع إيران، واحتمال تحوّلها إلى صراع طويل، لتصبح إيران مستنقعاً لحرب استنزاف طويلة للقوات الأميركية، على غرار ما حصل في أفغانستان والعراق.لقد سبق لقائد القيادة المركزية الأميركية بين عامي 2007-2008 وليام فالون William Fallon في عهد الرئيس جورج دابليو بوش، أن عارض توجيه ضربة عسكرية على إيران، قبل أن يستقيل من منصبه بعد خلافات مع الإدارة الأميركية حول سياستها تجاه طهران، معتبراً أنّ الحرب عليها قد تشعل الشرق الأوسط بالكامل.بدوره رئيس هيئة الأركان المشتركة المركزية بين 2011 ـ 2015، مارتن دامبسي Martin Dempsey، قال: إنّ أيّ هجوم غير حاسم على إيران، سيشعل حرباً إقليمية، وعارض بشدة أيّ ضربة عسكرية إسرائيلية منفردة ضدّ إيران! كما أنّ رئيس هيئة الاركان المشتركة 2015 ـ 2019 الجنرال جوزيف دانفور Joseph Dunford، حذر من أنّ إيران تمتلك شبكة واسغة من الوكلاء والصواريخ، يمكنها ضرب القوات الأميركية في المنطقة، فيما رئيس هيئة الأركان المشتركة الأسبق مارك ميلاي Mark Milley، شدّد في عدة جلسات في الكونغرس، على أنّ الحرب على إيران ستكون مكلفة وطويلة!داخل البنتاغون، ظهرت خلافات حول الحرب مع إيران، وهذه الخلافات تمحورت حول اتجاهات ثلاثة:1 ـ تيار سياسي وعسكري اندفع باتجاه الحرب، وصمّم على استخدام القوة العسكرية. كان على رأس هذا التيار الرئيس دونالد ترامب. وصقور البنتاغون، وحليفه في تل أبيب نتنياهو، عرّاب الحرب على إيران، والمحرّض عليها والمشجّع لها. هذا التيار يرى أنّ ضربة عسكرية حاسمة ضد إيران، ستؤدي إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني، وتعيد الهيبة الأميركية وقوة الردع الأميركي في المنطق.2 ـ التيار العسكري الحذر، حيث يتحفظ جنرالات أميركيون تجاه محاذير الحرب على إيران، بسبب حجمها الجغرافي والبشري والعسكري… إذ أنّ إيران بمساحتها الجغرافية التي تبلغ 1 مليون و648 ألف كلم2، تفوق مساحة دول فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، وبلجيكا، والدنمارك وهولاندا مجتمعة، فيما تضاريسها الشاهقة والعميقة المعقدة، تعيق أي عملية برية، في حين تمتلك إيران قوات عسكرية كبيرة من الجيش والحرس الثوري، وأكبر ترسانة صواريخ في الشرق الأوسط، القادرة على ضرب القواعد الأميركية في المنطقة، مع احتمال كبير اتخاذ طهران قراراً بإغلاق مضيق هرمز، وما يترتب عن ذلك من شلّ الملاحة، ووقف صادرات الطاقة من النفط والغاز إلى دول في العالم لا سيما الدول الأوروبية، وارتفاع الأسعار، وهذا ما حصل بالفعل.3 ـ ظهر خلاف بين الجنرالات حول نوع وعمليات الحرب، وما الذي ستستهدفه! أهي المنشآت النووية والصاروخية، ام قواعد إيران العسكرية، وبنيتها التحتية، أم توسيع الحرب في المنطقة، واللجوء إلى خيار الحرب البرية، التي يعتبرها معظم الجنرالات أنّها كارثة استراتيجية، لأنه من السهل ضرب إيران في البداية، لكن إنهاء الحرب، واحتواء تداعياتها، وعدم إطالتها، هو التحدي الاكبر.لذلك يعتبر العديد من القادة العسكريين في العالم، أنّ الولايات المتحدة ستخوض أصعب حرب ضدّ إيران منذ حرب فيتنام!بعد مرور أسبوعين على الحرب، فشل ثنائي الحرب على إيران ترامب ـ نتنياهو من تحقيق هدفهما الرئيس وهو الإطاحة بالنظام، وذلك بعد العدوان الغادر الذي أسفر عن استشهاد مرشد الثورة الإيرانية والعديد من كبار القادة العسكريين والسياسيين، ومئات المدنيين، وتدمير مواقع عسكرية، ومنشآت حكومية ومدنية واسعة.لقد استوعبت طهران بسرعة الضربة الموجعة جداً، لتقوم بعد ساعات بدكّ القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وتدمير منشآت عسكرية واستراتيجية في “إسرائيل” بوتيرة لم تتوقف حتى الآن. لقد توهّم ثنائي الحرب، أنه بعد إنهاء حياة مرشد الثورة السيد علي خامنئي، سيثور الشعب الإيراني، لإسقاط النظام ومن ثم تستسلم القيادة الإيرانية.لكن الردّ على ثنائي الحرب أتى سريعاً وغير متوقع من إيران، إذ بعد أيام قليلة من صدمة استشهاد المرشد، انتخب مجلس خبراء القيادة، السيد مجتبى خامنئي إبن المرشد الشهيد.لم يأخذ بالاعتبار ثنائي الحرب الذي أراد أن يطيح بالنظام الإيراني خلال أيام قليلة، أنّ إيران استعدّت لحرب طويلة لا تصبّ في صالح واشنطن وتل أبيب، لا سيما أنّ أميركا عانت كثيراً من حرب الاستنزاف، ودفعت ثمناً باهظاً في الأرواح والأموال نتيجة غرقها لسنوات في مستنقع أفغانستان والعراق.نتنياهو وترامب أرادا من الحرب على إيران تصفية نظامها وهذا لم يحصل، وأرادا تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وهذا لم يحصل أيضاً، إذ تبقى التكنولوجيا النووية بيد إيران، حيث تستطيع متى شاءت، إعادة تشغيلها من جديد. لقد راهن ثنائي الحرب على انقسام الشعب الإيراني الذي ردّ عليهما بتماسكه القوي، وبوحدته الوطنية والقومية، بعد أن عرف حقيقة أهداف ترامب ـ نتنياهو في حربهما على إيران، ومآربهما العدائية تجاه بلدهم.حرب ترامب ـ نتنياهو، بدأت تفرز تداعياتها السلبية في الداخل الأميركي والإسرائيلي، وفي العالم، وما تخبّط ترامب في تصريحاته المتناقضة التي يتندّر بها العالم، والحركات غير المألوفة التي يقوم بها، وعدم تحقيق أهدافه من الحرب، تزيده إحراجاً أمام الأميركيين، وأمام حلفائه في أوروبا ودول العالم التي تعاني اليوم من نتائج مغامرته العسكرية مع حليفه الإسرائيلي ضدّ إيران، اقتصادياً ومالياً وتجارياً، وطاقوياً، ومعيشياً، وخدمياً.دول أوروبا كما غيرها بدأت تتململ من استمرار الحرب التي ترهقها، وتسبّب لها المزيد من التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والنقل، التي تؤثر على تراجع النمو الاقتصادي، وترفع من نسبة البطالة والدين العام.الأيام المقبلة ستبيّن لنا ما إذا كان ثنائي الحرب سيستمرّان في مغامرتهما العبثية وعنادهما، وغطرستهما، أم أنهما سيرضخان لواقع الميدان وتداعياته على الساحة الدولية، ويقرّ في نهاية الأمر كلّ من ترامب ونتنياهو، بأنّ إيران عصية عليهما، وأنه لا بدّ من وقف الحرب قبل أن يتمدّد لهيبها ويشمل دول المنطقة المشرقية لغربي آسيا بأكملها!فأيّ خيار سيتخذه ترامب؟! وقف الحرب أو الاستمرار بها؟! كلاهما أمران أحلاهما مرّ.باستمرار الحرب أو وقفها، سيجد الرئيس الأميركي نفسه أمام الأمة الأميركية متهماً وعاجزاً، ليبيّن لها “الإنجاز” الكبير الذي حققه للولايات المتحدة وللعالم، وهو يخوض حربه ضدّ إيران، ومع مَن حرّضه عليها في تل أبيب…!*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة