كتاب واراء

حين تفشل الحروب الكبرى على دُوَل المنطقة، هكذا يصبح الشرق الأوسط الجديد

كتب إسماعيل النجار،حين تفشل الحروب الكبرى على دُوَل المنطقة، هكذا يصبح الشرق الأوسط الجديد بعد سقوط رهانات واشنطن وتل أبيب،*إختلفت الأمور كثيراً في غرب آسيا عما كانت عليه من قبل؟. لأن الحروب الدائرة في المنطقة لم تعُد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين أطراف متنازعة تكون فيها اليد العُليا للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، بل تحولت إلى اختبار تاريخي لموازين القوى في الشرق الأوسط. فالمعطيات المتراكمة من الميدان والسياسة والاقتصاد تشير بوضوح إلى أن الأهداف التي سعت إليها واشنطن وتل أبيب منذ بداية التصعيد لم تتحقق، بل إن مسار الأحداث يسير في اتجاه معاكس لما خُططوا له لسنوات.*على مدى عقود، اعتادت إسرائيل خوض حروب قصيرة تقوم على قاعدة واضحة ضربة أولى قاصمة، تدمير سريع لبنية الخصم، ثم تدخل سياسي أمريكي لفرض وقف إطلاق النار وتحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي. غير أن هذه القاعدة كسرها الإيرانيون اليوم. فالحرب الراهنة لم تبدأ ولم تنته وفق الإيقاع الإسرائيلي المعروف، بل تحولت إلى حرب استنزاف طويلة، يتغير فيها ميزان الضغط تدريجياً مع مرور الوقت.*إن ما لم تدركه تل أبيب وواشنطن في حساباتهما الأولية أن الخصم هذه المرة لا يقاتل بالطريقة التي اعتادت عليها الجيوش الغربية. فبدلاً من استخدام كامل القوة منذ اللحظة الأولى، اعتمدت قوى المحور سياسة التدرج في التصعيد، ما جعل المعركة مفتوحة زمنياً وقابلة للتطور المستمر. وفي ظل هذا النمط الجديد من المواجهة، بدأت تظهر مؤشرات خلل واضحة في الأداء الإسرائيلي، سواء على مستوى الاستخبارات أو القدرة على تحييد القدرات الصاروخية لدى خصومه. والأهم من ذلك أن الاقتصاد الإسرائيلي بدأ يشعر بثقل الحرب. فتكاليف العمليات العسكرية والنفقات المدنية المرتبطة بها ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، بينما يتزايد القلق داخل الأوساط المالية من تحوّل الحرب إلى عبء استراتيجي طويل الأمد. ومع كل يوم يمر، يتراجع الوهم الذي حاولت القيادة الإسرائيلية تسويقه تحت عنوان "اقتصاد النصر"، ليحل محله واقع أكثر تعقيداً يتمثل في اقتصاد يواجه استنزافاً متواصلاً.لكن الفشل الأكبر يتمثل في عدم تحقق الهدف السياسي المركزي للحرب!. وهو إسقاط النظام في إيران أو إضعافه إلى الحد الذي يجعله عاجزاً عن التأثير الإقليمي. فطهران لم تسقط، ولم تتفكك منظومة حلفائها، بل على العكس يبدو أن محور المقاومة خرج حتى الآن متماسكاً وقادراً على إدارة الصراع ضمن حسابات طويلة المدى.وهنا يبرز السؤال الأكبر ماذا بعد؟إذا انتهت هذه المواجهة وبقي النظام الإيراني قائماً، واستمرت قوى المحور متماسكة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، فإن المنطقة ستدخل مرحلة جديدة بالكامل. فالمعادلات التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة قد تتغير جذرياً، ولن يعود بالإمكان التعامل مع هذه القوى كفاعلين ثانويين في معادلة الأمن الإقليمي.*في لبنان تحديداً سيجد خصوم حزب الله أنفسهم أمام واقع أكثر تعقيداً. فالمعادلة الداخلية التي كانت تقوم على الضغط لنزع سلاح المقاومة قد تصبح أكثر صعوبة، خصوصاً إذا خرج الحزب من المواجهة وهو يحتفظ بقدراته العسكرية ويعزز شرعيته لدى جزء من الرأي العام باعتباره قوة ردع.وفيما يخص سوريا، سيكون فشل الرهان على كسر محور طهران حزب الله وبالاً على حكومة أبو محمد الجولاني وأن الدولة السورية الحالية بقيادته ستحاول إعادة تثبيت موقعها الإقليمي تدريجياً بعيد عن الإحتكاك العسكري مع حزب الله، بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات.*أما في العراق، فإن القوى السياسية المرتبطة بالمحور ستجد نفسها أكثر ثقة في مواجهة الضغوط الأمريكية، ما قد يدفع باتجاه إعادة صياغة العلاقة مع واشنطن.*وفي اليمن أيضاً، حيث تحولت جماعة أنصار الله إلى لاعب إقليمي مؤثر، فإن أي نتيجة تعزز موقع المحور ستعطي صنعاء ثقلاً إضافياً في معادلات البحر الأحمر وأمن الملاحة الدولية.*أما على المستوى الإقليمي الأوسع، فإن استمرار تماسك هذا المحور سيجبر كثيراً من الدول على إعادة النظر في استراتيجياتها الأمنية وتحالفاتها السياسية. فالحروب الكبرى لا تغيّر الخرائط العسكرية فقط، بل تعيد رسم موازين القوى السياسية والاقتصادية أيضاً.*في المحصلة، يبدو أن المنطقة تقف اليوم أمام لحظة مفصلية. فإما أن تنجح واشنطن وتل أبيب في إعادة الإمساك بزمام المبادرة وفرض تسويات تعيد تثبيت النظام الإقليمي القديم، وإما أن تفرض الوقائع الميدانية نظاماً إقليمياً جديداً، تكون فيه قوى المقاومة جزءاً ثابتاً من معادلة القوة في الشرق الأوسط.وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن الحروب التي تبدأ بهدف تغيير المنطقة كثيراً ما تنتهي بتغيير موازين القوة فيها، ولكنها لن تكون دائماً لصالح من أشعلها.بيروت في،، 14/3/2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة