كتاب واراء

لماذا يخشى أحمد الشرع الانزلاق في "المستنقع" اللبناني

*بقلم: ناجي علي أمهز*وضعت تصريحات رئيس حكومة الكيان الإسرائيلي الأخيرة، التي اعتبر فيها أن "الإسلام المتطرف، بنوعيه السني والشيعي، يشكل تهديداً للعالم"، الرئيس أحمد الشرع أمام انقسام داخلي حاد ومعادلات بالغة التعقيد، وصلت أصداؤها حتى داخل التيارات الإسلامية المتشددة التي يقود أحد فصائلها ما كان يُعرف بـ "جبهة النصرة" التي ولدت من رحم تنظيم داعش الإرهابي. وفي ظل ما يتردد من أنباء حول نية الحكومة السورية التدخل في لبنان للمشاركة في نزع سلاح حزب الله، برز موقف لافت للرئيس الشرع الذي أبلغ القيادات القتالية المتحمسة لهذا الخيار بضرورة التراجع عنه فوراً؛ إذ يدرك الشرع، من خلال قراءة دقيقة لتعقيدات المشهد السوري والمحيط الإقليمي المتفجر، أن أي مغامرة عسكرية في لبنان قد لا تعني فقط نهاية حكومته، بل قد تؤدي إلى عودة سوريا إلى "محور المقاومة" في غضون ٢٤ ساعة فقط من بدء الهجوم.هذا التوجس يجد مبرراته في القراءات السياسية التي تؤكد أن الداخل السوري يغلي فوق صفيح ساخن؛ فخلف ستار الاستقرار الهش، يوجد قرابة ٣ ملايين مواطن من العلويين والأكراد والموحدين الدروز في حالة تأهب لمواجهة الحكومة الحالية، يساندهم ثقل أحزاب قومية وعربية وجنرالات وقيادات عسكرية في الجيش النظامي السابق ونحو ٣٠٠ ألف منتمٍ لحزب البعث والأحزاب القومية، الذين يرى الكثير منهم أن مواجهة حكومة الشرع هي طريق لتحرير سوريا من قبضة "الدولة الدينية" وإعادتها لخياراتها الاشتراكية كدولة مواجهة تحفظ تنوعها الاجتماعي ودورها العربي التاريخي. ولا يتوقف الأمر عند التوازنات الحزبية، بل يمتد ليشمل "العائلات الشامية والحلبية الكبرى" التي تجد نفسها اليوم مغيبة عن القرار السياسي والمالي، مما حولها إلى قوة تحريض صامتة ضد سلطة اختزلت دورها، يضاف إليها نخب ثقافية وفنية تعيش حالة اغتراب جراء انتشار فكر إسلامي غريب بدأ يطمس معالم الهوية السورية القائمة على الفرح والقدود الحلبية والدراما الرائدة، وسط صراع مكتوم بين التيار الصوفي المعتدل والمتجذر تاريخياً منذ 700 عام وبين التيارات المتشددة التي يُحاول فرضها على النسيج السوري.وعلى الصعيد الميداني، تشكل مخيمات اللجوء الفلسطيني بؤرة توتر إضافية، حيث تنتظر فصائل المقاومة التي تعرضت للتنكيل والتضييق والاعتقال "ساعة الصفر" للانقضاض على حكومة ترى في تقاربها مع واشنطن وتل أبيب عملية اغتيال للقضية الفلسطينية. ويتزامن ذلك مع نذر شؤم إقليمية برزت في الرسائل العراقية التي حذرت من أي تدخل سوري ذي صبغة طائفية، وسط مخاوف حقيقية من إعلان المرجعية الشيعية في العراق "النفير العام" ضد الحكومة السورية وداعميها، وهو ما يضع الشرع في مأزق أمام بغداد التي ساهمت سابقاً في ضبط الحدود ومنع الانفجار بعد أزمة المقدسات الشيعية. كما زاد تصنيف إدارة ترامب لـ "الإخوان المسلمين" منظمة إرهابية من إرباك دمشق التي سارعت للاعتقالات ثم اصطدمت بالتحذيرات التركية، وبالرسائل الميدانية من علماء "الإخوان" الذين يقاتلون بجانب المقاومة في لبنان ضد إسرائيل، معلنين اصطفافهم مع إيران في وجه الحرب الأمريكية الإسرائيلية، وهي رسالة مباشرة وواضحة لحلفاء واشنطن وعلى رأسهم الشرع.وفي موازاة هذه التعقيدات، تبرز معضلة الطائفة الإسماعيلية التي تعتبر "عرابة السياسة السورية في أوروبا منذ عام 1955" وتمتلك نفوذاً مالياً ودبلوماسياً هائلاً؛ حيث قوبلت كل العروض والمناصب التي قدمها الشرع لهم "بالرفض"، حتى على المستوى المسيحي السوري قام الرئيس احمد الشرع بزيارة رمزية للكنيسة التي استهدفت كرسالة طمأنة وتعهد بعدم المساس بالمقدسات أو تغيير هويتها التاريخية لكن زياراته ايضا رفضت بهتاف معادي له من قلب الكنيسة التي تلحظ هجرة كبرى من سورية فاقت ال 90% منذ عام 2011 فقط. الشرع يعرف ان الحكم في سوريا موجود الان بسبب دوره في الداخل السوري فقط، كما إن القناعة السائدة اليوم، حتى لدى القوى الدولية المعادية لمحور المقاومة، هي أن بقاء سوريا في وضعها الحالي أفضل بكثير من "سوريا مشتعلة" قد تعيدها الجغرافيا السياسية بفعل الانفجار الشعبي لتكون مقراً وممراً لمحور المقاومة من جديد. لذا، يرى أحمد الشرع أن أولويته المطلقة تكمن في تثبيت دعائم الحكم عبر إصلاحات ومصالحات ضرورية، والحفاظ على علاقات طيبة مع العراق وعدم المواجهة مع إيران أو الخروج عن التفاهمات مع تركيا، مدركاً أن الدخول إلى "الغابة اللبنانية" يعني حتماً احتراق "الغصن" الذي يجلس عليه في دمشق.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة