لماذا زادت شعبية وقوة حزب الله بنسبة 18% في ذروة الحرب؟
*بقلم: ناجي علي أمهز*عندما اخترتُ مسار "الضخ الكتابي" النقدي خلال الفترة الماضية، والذي وصل إلى حد التصادم العلني مع الماكينات الإعلامية لمحور المقاومة وبعض منظريه من طهران إلى بيروت، لم يكن ذلك رغبة في الخصومة، بل كان رهاناً على عاملين بنيويين:الأول: إيماني بأن القيادة الشيعية الواعية يمكنها تحمل النقد "الثقيل" والمحرم عادةً في أزمنة الحروب؛ فقيادة الحزب، من الشهيد السيد نصر الله وصولاً إلى القيادة الحالية، تدرك أنني لا أتاجر بالسياسة، بل أكتب من منطلق "النقد البناء" حرصاً على الطائفة كجزء لا يتجزأ من كيان الوطن.الثاني: ضرورة كسر "نرجسية" بعض الأبواق الإعلامية والمحللين، وحتى بعض حلفاء الحزب، الذين توهموا للحظة أنهم هم صانعو قوة الشيعة، بل وذهب بعضهم لاعتبار أنفسهم شركاء في القرار الإقليمي والمعادلات الكبرى، متناسين حقيقة موضوعية: لولا الحزب، لكان 99% من هذا الطقم السياسي والإعلامي الذي يدور في فلكه مجرد أرقام هامشية لا وجود لها.للاسف سقط خصوم الحزب وحلفاؤه في الفخ نفسه؛ وهو الفشل في فهم التركيبة العميقة للحزب والطائفة. يراهن البعض اليوم على إحداث شرخ أو تصادم بين "حركة أمل" و"حزب الله"، وهناك من يتصور ان الرئيس نبيه بري تنطلي عليه مثل هذا الامور، متناسين بان الرئيس بري هو اكثر من يتحدث بواقعية بلغة ألارقام؛ فحركة أمل، وفي أوج قوتها، تمثل تاريخياً قرابة الـ 25% من الشارع الشيعي، وهي تدرك ذلك جيداً. لذلك حصرت الحركة خدماتها وتوظيفاتها منذ التسعينيات في كادرها ومناصريها، مما جعل 90% من موظفي القطاع العام الشيعة يدينون بالولاء لها. بالمقابل، بقي أكثر من 75% من الشيعة خارج هذه المظلة الوظيفية، وهنا برز دور حزب الله الذي استوعب هذه الكتلة الكبرى (نحو 70%) عبر شبكة خدمات صحية، تعليمية، وتوظيفية هائلة.لقد كان حزب الله، والسيد نصر الله شخصياً، هما الضمانة لاستمرار الدور السياسي الكبير للرئيس بري. وحتى في "ثورة 17 تشرين" 2019، لم يكن تدخل السيد نصر الله موجهاً ضد الناشطين المدنيين كما رُوّج، بل كان "كبحاً لجموح" الشارع الشيعي الذي كان على وشك الانفجار بوجه المنظومة البرلمانية والحكومية. فالمظاهرات الحقيقية لم تكن في بيروت فحسب، بل كانت في النبطية وصور وصيدا، حيث لمس الجميع حجم الغضب الشعبي الشيعي تجاه الأداء السلطوي، وانضمام النائب أسامة سعد وغيره من القوى السياسية الجنوبية إلى الثورة الشعبية جاء في هذا السياق.بالمقابل، تخطئ واشنطن اليوم إذا اعتقدت أن "الضغط العسكري" سيؤدي إلى تآكل شعبية الحزب. نحن نتحدث عن "عقد اجتماعي" متجذر؛ هناك قرابة 70 ألف عائلة (أهالي شهداء وجرحى) أي نحو نصف مليون إنسان، ترتبط حياتهم، تعليمهم، وطبابتهم عضوياً بالحزب. أضف إليهم نصف مليون آخرين في الجنوب والبقاع والضاحية يعيشون على دعم الحزب في ظل انهيار الدولة (تأمين مياه، محروقات، طاقة بديلة، ودعم زراعي). هذا الواقع يفسر لماذا يقول "الشيعة" اليوم، كما قالوا بالأمس في 2006، "فدا الحزب"؛ فالحزب بالنسبة لهم ليس فصيلاً مسلحاً فحسب، بل هو "شريان الحياة" الذي حفظ توازنهم الاجتماعي لـ 23 عاماً، بينما ترك اللعبة السياسية للرئيس بري وحركة أمل.المفارقة اليوم أن شعبية الحزب لم تزدد بنسبة 18% داخلياً فحسب بسبب ثباته على دعم الطائفة والقضية الفلسطينية، بل تمددت عربياً وإسلامياً. نشهد اليوم تعاطفاً غير مسبوق من تيارات إسلامية (كالإخوان المسلمين) وقوى قومية ونضالية فلسطينية بعد عملية اسناد غزة، وهو ما يضع إدارة ترامب أمام تساؤلات كبرى. كان بإمكان الإدارة الأمريكية سلوك مسار أكثر دهاءً: "صفقة كبرى" تتضمن تأمين 10 مليارات دولار للشيعة على مدار عقد، وإعادة إعمار شاملة، مقابل انسحاب إسرائيلي كامل واتفاقية دفاعية هادئة تضمن تحول الحزب إلى قوة سياسية صرفة. حينها فقط، كان الشارع الشيعي نفسه هو من سيعترض على أي عمل عسكري يقوم به الحزب. أما اليوم، وفي ظل استباحة الدماء والتهجير، فمن المستحيل إيجاد شيعي واحد يقبل بالانقلاب على من يمده بوسائل البقاء.يتحدث البعض عن "دهاء سياسي" أو "تقية سياسية" مارسها الحزب لاول مرة في تعامله مع اتفاق وقف إطلاق النار ودخول الحكومة، مما أشعر القوى الدولية بالخداع. لكن الحقيقة تكمن في مكان آخر؛ الحزب أظهر مرونة عالية والتزم بما طُلب منه "خلف الدولة"، رغم سقوط 1400 شهيد وجريح واستمرار العدوان. وعندما وجد أن المعركة تحولت من "تسوية سياسية" إلى "حرب إلغاء" تستهدف وجوده وأنصاره وقضيته ودوره، وجد نفسه مضطراً لخوض "المعركة التي تدور فصولها اليوم".بعض الساسة يسهل عليهم ان يقولوا ان الحزب يخوض الحرب دفاعا عن ايران، لكن النخب السياسية التي تقرا "الممحي" وتشرح المشرح، تسال التالي: هل حزب الله دخل المعركة اليوم للدفاع عن ايران او وجد ان مصلحته تتقاطع وتقتضي بدخول الحرب بالتزامن مع حرب امريكا واسرائيل على ايران، اولا للدفاع عن نفسه وثانيا ان يسجل موقفا مع ايران، مما فرض سؤالا خطيرا للغاية، من يدير حزب الله اليوم سياسيا. انها برغماتية غير معهودة.إن المخرج الوحيد لتجنيب لبنان الانقسام النهائي ليس في السلاح، بل في "رؤية تكاملية" تليق بتضحيات من حرروا الأرض عام 2000 وحموها لاحقاً. إننا بحاجة إلى نسخة مطورة من "اتفاق الطائف"؛ رعاية دولية جادة، مليار دولار سنوياً لدعم الصمود الاجتماعي الشيعي لمدة عشر سنوات، ودمج وطني يحفظ الكرامات ويضمن التعويضات. ما دون ذلك، هو مجرد تأجيل لانفجار اجتماعي وسياسي قد لا تستطيع أي قوة، داخلية أو خارجية، احتواء شظاياه.في الختام، فإن الخاسر الأول والأخير هو لبنان ككيان والشعب اللبناني الذي يعيش ارتدادات الشرق الأوسط الذي ينهار على الجميع. دعونا نستوعب المتغير بالشراكة الوطنية، لأن المطلوب اليوم إقليمياً هو تقسيم هذه الدول، وما يجري في سوريا والعراق لن يكون لبنان بعيدا عنه بحال لم ينصهر وطنيا، فالعراق وسوريا على عتبة انقسام طائفي كامل لتواجد التعددية الطائفية فيهما، لكن هذه الدول تحتمل الانقسام لاسباب كثيرة اقله اتساع رقعتها الجغرافية، بينما لبنان لا يحتمل هذا الانقسام ايضا واقله لاسباب جغرافية. بعيدا عن من هو مع ايران ومن هو مع الامريكان، علينا ان نكون جميعنا مع لبنان، لانه بحال تفكك لبنان لن يبقى الامريكان ولا حتى ايران مع اي مكون لا ينتمي الى هوية وطن.
أضيف بتاريخ : 2026-03-08 21:42:21 |