ثقافة عامة

المرأة المربية في فكر الإمام علي (عليه السلام) رؤية تكاملية للتربية النفسية والاجتماعية

المرأة المربية في فكر الإمام علي (عليه السلام)

رؤية تكاملية للتربية النفسية والاجتماعية

د. بتول العرندس/ لبنان

 

إذا كانت التربية هي فنُّ بناء الإنسان، فإنّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد قدّم رؤية متكاملة لهذا الفن، تتجاوز الزمان والمكان، وتخاطب كل بعدٍ من أبعاد النفس البشرية. وفي هذا الإطار، تحتل المرأة مكانة محورية في مشروعه التربوي، لا بوصفها كائناً بيولوجياً يؤدّي وظيفة الأمومة، بل كفاعلٍ تربويّ قادر على تشكيل الوعي، وبناء الشخصية، وصناعة القيم، إنها الحاضنة الأولى، والمعلمة، والداعية، والأخت، والصديقة، والنموذج السلوكي والوجداني الذي تتكئ عليه الأجيال.

//////////

المرأة الأم التأسيس القيمي والنفسي للشخصية:

في وصيته الخالدة إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، يضع الإمام علي(عليه السلام) القاعدة الذهبية لبناء الشخصية الناشئة: “وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته”(1)، إنّ هذا التصور العلوي ينسجم مع ما أثبتته الدراسات الحديثة في علم النفس، لاسيما نظرية “الارتباط العاطفي” لجون بولبي(Bowlby)، التي تؤكد أنّ السنوات الأولى من حياة الطفل تحدّد شكل علاقاته المستقبلية وسلامه النفسي والاجتماعي، فالأم بحسب هذه النظريات، هي حجر الزاوية في ترسيخ الأمان العاطفي وبناء الهوية الوجدانية.

ويضيف الإمام بعدًا تربويًا حاسمًا حين يقول: “الولد سر أبيه وأمه”(2)، هذه المقولة تكشف عن عمق إدراكه لظاهرة “التعلم بالملاحظة”، والتي طوّرها لاحقًا ألبرت باندورا(Bandura) ضمن نظريته في التعلم الاجتماعي، إذ يرى أن الطفل يكتسب أنماطه السلوكية من خلال تقليد من حوله، خصوصًا الأم بهذا المعنى، فالأم ليست فقط مزروعة في ذاكرة الطفل، بل هي مرآته النفسية الأولى.

المرأة المعلمة حاملة الرسالة المعرفية والأخلاقية:

لم تكن التربية عند الإمام علي (عليه السلام) معزولة عن منظومة الأخلاق، بل كانت امتدادًا لها، فالتعليم لا ينفصل عن التقوى، والمعرفة لا تنفك عن المسؤولية، يقول الإمام: “لا ترى الجاهل إلا مفرطًا أو مفرّطًا”(3)، في إشارة إلى أن غياب المعرفة يولّد تطرفًا في السلوك، إما بالانفلات أو بالتقوقع، وكلاهما مرفوض تربويًا، ومن هنا تبرز أهمية المرأة المعلمة، التي لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تُشارك في هندسة التوازن النفسي لدى الطفل والمراهق.

ويتقاطع هذا مع أفكار جان بياجيه (Piaget) في مراحل النمو المعرفي، وفيغوتسكي (Vygotsky) في التأثير المتبادل بين التعليم والسياق الاجتماعي، فالمعلمة بحسب هذه النظريات، تؤسّس بنية التفكير المنطقي، وتفتح أفق النمو الأخلاقي والسلوكي من خلال العلاقة الحوارية والمرافقة الوجدانية.

المرأة الداعية والمرشدة المربية القيمية والبصيرة:

تتجلّى في فكر الإمام علي (عليه السلام) صورة المرأة التي لا تكتفي بدور التلقي أو التعليم، بل تتقدّم إلى ساحة الدعوة والوعظ والإرشاد، والنموذج الأبرز لذلك هو فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ثم السيدة زينب (عليها السلام) التي وصفها الإمام زين العابدين بقوله: “أنتِ بحمد الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهّمة”(4)، وهذا يعني أن المرأة في الفكر العلوي تُمارس دورها التربوي من موقع البصيرة والإلهام، لا من موقع التلقين.

هذا النموذج يلتقي مع نظريات التربية الأخلاقية الحديثة، مثل نظرية كولبرغ (Kohlberg)، التي تؤكد أن النمو الأخلاقي لا يتمُّ عبر القوانين وحدها، بل من خلال القدوة، والبيئة التي تُحتضن فيها القيم وتُعاش لا تُقال فقط.

المرأة الأخت والرفيقة الحاضن العاطفي والاجتماعي:

يقول الإمام علي (عليه السلام): “النساء شقائق الرجال”(5)، في تجلٍّ عميق لمفهوم التوازن والتكامل بين الجنسين،الأخت والصديقة الرفيقة ليستا مجرّد كائنين في الهامش العائلي، بل هما ركيزتان نفسيّتان، تقدّمان الدعم العاطفي، وتحفظان التوازن الداخلي للأسرة والمجتمع.

وقد أثبتت دراسات حديثة أن الدعم الاجتماعي، خاصة داخل النواة الأسرية، يُعدّ عاملاً واقيًا ضد العديد من الاضطرابات النفسية، كالاكتئاب والقلق، خصوصًا في سنّ المراهقة وبهذا، تتأكد مرة أخرى النظرة العَلَوِيّة للمرأة بوصفها فاعلة في صناعة الإنسان على مستويات عدّة: النفس، السلوك، العقل، والوجدان.

المرأة المُصلِحة في المجال الاجتماعي مربية الجماعة:

لم يحصر الإمام علي (عليه السلام) دور المرأة التربوي داخل جدران البيت أو المؤسّسة التعليمية، بل بسط رؤيته لتشمل الأدوار الاجتماعية الكبرى، حيث تستطيع المرأة أن تكون “مُصلِحة اجتماعية” تشارك في صناعة الوعي الجماعي، وتوجيه السلوك العام، وقد تجسّد هذا في مواقفه التي أكدت ضرورة إشراك المرأة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بما يتلاءم مع كرامتها وأثرها.

إن الميدان الاجتماعي في الفكر العلوي ليس ميدانًا خشنًا أو منعزلًا عن التربية، بل هو ميدان أخلاقي بامتياز، ومَن تخوضه من النساء تحمل رسالة تربوية بوجه جماعي ،وهذا يتقاطع مع الدراسات التربوية الحديثة في التربية المدنية (Civic Education)، التي تشير إلى أن المرأة – حين تشارك في المجال العام بقيم راسخة – تصبح أداة لتثبيت السلوك الجمعي المنضبط بالقانون والضمير.

وقد أثبتت تجارب الأمم أن المرأة الواعية، إذا ما أُعطيت مساحة في المجال العام، فإنّها تساهم في خفض معدلات العنف، وزيادة مؤشرات التماسك الاجتماعي، وتحقيق النمو التربوي الشامل (UNESCO, 2015).

المرأة الناقلة للتراث التربوي حافظة الذاكرة الروحية:

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام) ليست فقط منشئة للقيم، بل ناقلة لها، وهذا ما يتجلّى في الدور الثقافي والتوثيقي الذي قامت به النساء في صدر الإسلام، وخاصة من آل البيت (عليهم السلام)، حيث ساهمن في نقل المواقف، والخطب، والرسائل التربوية العظيمة.

فالسيدة زينب (عليها السلام) تمثّل النموذج الأوضح في هذا المجال؛ فقد قامت بوظيفة “الذاكرة الجماعية” التي لم تسمح بانقطاع الرسالة بعد كربلاء، فحفظت الأحداث وروت المواقف ووجهت الخطاب. 

وهذا الدور – بحسب علم النفس الثقافي الحديث – يُعرف بوظيفة “النقل الرمزي للتجربة”، وهو دور لا يقل أهمية عن التعليم المباشر، بل يُعدّ من أساسيات التربية طويلة المدى؛ لأنه يُرسّخ الرواية الأخلاقية والوجدانية التي يعيش بها المجتمع ويعيد إنتاجها (Bruner, 1990).

المرأة التي تحفظ وتورّث هذا التراث، تمارس أرقى أشكال التربية عبر “الذاكرة الجمعية”، وهي عملية تربوية تُحافظ على الهوية وتُحصّن النفس من التفكك في مواجهة الأزمات.

المرأة “الخازنة للمعنى” البعد الوجودي للتربية في فكر الإمام علي (عليه السلام):

من أعمق ما يمكن استخلاصه من فكر الإمام علي (عليه السلام) أن التربية ليست فقط مشروعًا لإنتاج سلوك صالح، بل هي فن استنطاق المعنى من داخل الإنسان، وهنا تبرز المرأة بوصفها “خازنة للمعنى”؛ لأنها الأقرب إلى قلب الطفل، والأقدر على الإصغاء إلى هشاشته، ومرافقته في اكتشاف ذاته.

فالإمام علي كان يرى أن النفس الإنسانية لا تُشكّل بالإكراه ولا بالعقاب، بل بالحوار والرحمة والقدوة، وهذه أدوات تمتلكها المرأة بحكم وظيفتها العاطفية والروحية، وهو القائل: “ربوا أنفسكم على الأخلاق تسعدوا بها، فإن المرء يكتسب طباع من عاشره”، وفي هذا فتحٌ لفهم أن التربية تبدأ من الذات، ثم تُنتقل بالمعايشة، لا بالتلقين الجاف.

والمرأة، في ضوء هذا المفهوم، ليست فقط مربية لغيرها، بل عالمة بذاتها، وهذا يتجلى في أسمى صوره حين تصمت المرأة أمام الجرح، وتُربّي بالصبر، وتُعلّم بالحكمة، وتقاوم بانبعاث المعنى، تمامًا كما فعلت الزهراء وزينب عليهما السلام، حين لم تكن الكلمة عندهما وسيلة بل كانت موقفًا وجوديًا.

هذا المستوى من التربية – الذي قد نُسميه “التربية الوجودية” – يتقاطع مع أطروحات فلاسفة التربية مثل باولو فريري، الذي رأى أن الإنسان لا يتعلّم إلا حين يُدرك وجوده كقيمة، وأن التعليم الحقيقي هو الذي يُعيد الإنسان إلى ذاته، لا الذي يملأ رأسه بمعلومات خاوية.

الإمام علي (عليه السلام)، في تقديمه للمرأة بوصفها شريكة في بناء الإنسان ويتجلّى ذلك في قوله: "النساء شقائق الرجال"، وفي تمكينه لنساء أهل البيت (ع) من أدوار قيادية في الدفاع عن الرسالة.، سبق هذه الرؤى بألف عام، إذ أرسى أن المعنى التربوي لا يُستمدّ من المناهج وحدها، بل من الذين يحملون القيم على وجوههم، ويسكبونها على من حولهم من دون أن يتكلموا كثيرًا

المرأة راعية الفطرة التربية الروحية والتزكية الإيمانية:

في أدبيات الإمام علي (عليه السلام)، تتجلّى رؤية خاصة للمرأة بوصفها راعية الفطرة، وحارسة للصفاء الإنساني، والمُرافِقة للطفل والناشئ في رحلة اكتشاف المعنى الإيماني والتديّن الصافي، يقول الإمام: “فإنّ الله سبحانه فطر خلقه حين فطرهم على معرفته”(6)، وهذه الفطرة لا تُحفظ تلقائيًا، بل تُرعى وتُربّى، وهنا يأتي دور المرأة بوصفها مربية للإيمان، لا عبر الإكراه على الطقوس، بل عبر تجسيد الرحمة الإلهية في السلوك اليومي.

الدراسات التربوية الحديثة في علم “التربية الدينية المقارنة” تؤكد أن التدين القسري يُنتج ازدواجًا نفسيًا، في حين أن التدين المنبثق من النموذج السلوكي العاطفي – الذي تمثله الأم غالبًا – يخلق إيمانًا متجذرًا في الضمير لا في المظهر فقط (Astley& Francis, 1996).

المرأة، في هذا السياق، تمثل الحاضنة الروحية الأولى، لا عبر المواعظ، بل من خلال الصلاة أمام طفلها، وصبرها على الألم، ودعائها الذي تهمسه لا تصرّح به، هذا الدور الباطني، العميق، يمثّل مدرسة إيمانية طويلة الأمد، تؤسّس العلاقة بين الإنسان وربه على أساس وجداني لا سلطوي، وهو ما يتسق مع الفكر العلوي الذي يرى أن “أصل الدين هو الحب”.

المرأة في الخطاب العلوي من التقدير إلى التمكين:

الخطاب العلوي تجاه المرأة ليس خطاب استرحام ولا مجاملة اجتماعية، بل خطاب تقدير معرفي وتمكين إنساني،يقول الإمام علي (عليه السلام): “عقول النساء في جمالهن، وجمال الرجال في عقولهم”(7)، وهو تعبير يُفهم أحيانًا على نحو سطحي، بينما هو في عمقه يسلّط الضوء على الحاجة لتكامل العقل والجمال في الشخصية الإنسانية بغضّ النظر عن الجنس. فالإمام لا يختزل المرأة في الجمال، بل يلفت إلى أهمية تربية العقل العاطفي والجمالي لديها، تمامًا كما يُفترض أن يُنمّى العقل العملي والنظري عند الرجل.

كما أن المرويّات العلوية تمتلئ بأمثلة على تمكين المرأة في القرار، والموقف، والتعبير، لا سيّما في منازلاته الفكرية مع معارضي دور المرأة، حيث كان يردّ بأسلوب حكيم لا ينكر الخصوصيات الفسيولوجية، لكنه يرفع من شأن المرأة العقلي والاجتماعي من خلال النماذج وليس من خلال الخطاب المجرد.(ياحبذا مثال او مقولة للامام تبين ذلك)

المرأة في الخطاب العلوي ليست تابعة للغة ذكورية، بل شريكة في تشكيل خطاب بديل يقوم على الكرامة، والقدرة، والاستقلال القيمي، وهو ما تؤكده الأدبيات المعاصرة في علم “الخطاب التربوي الجندري” (Gender-Sensitive Pedagogy)، التي تدعو إلى تفكيك الصور النمطية لا عبر الإلغاء، بل عبر بناء هوية تربوية متماسكة للمرأة والرجل معًا.وهو ما يتقاطع مع الرؤية العلوية في بناء هوية متوازنة تقوم على الكرامة والاستقلال التربوي، بعيدًا عن الصور النمطية.

المرأة في مواجهة التحولات القيمية مرونة الهوية وثبات الرسالة:

في ظل ما نعيشه اليوم من تحولات قيمية متسارعة، تتعرّض المرأة لضغوط هائلة بين التقليد والحداثة، بين الانفتاح والانغلاق، وهنا تبرز أهمية العودة إلى النموذج العلوي الذي يُقدّم المرأة ككائن يمتلك مرونة الهوية وثبات الرسالة، فالإمام علي (عليه السلام) لم يربط دور المرأة بزمن أو مكان أو ظرف، بل جعلها جزءًا من “المشروع الإنساني المفتوح”، القادر على التكيّف مع كل عصر، دون التنازل عن القيم الجوهرية.

يقول (عليه السلام): “لا تُربّوا أولادكم كما رُبّيتم، فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم”(8)، (ينسب الى الامام) وإذا كانت هذه الوصية موجهة إلى الآباء، فإن النساء – من موقعهن التربوي – يحتجن إليها أكثر، لأنهن في تماس مباشر مع عوالم الطفل والمراهق وتقلبات العالم.

الدراسات النفسية الحديثة في “الهوية التربوية الديناميكية” (Dynamic Educational Identity) تؤكد أن المرأة المربية – حين تكون على وعي بتحولات القيم ومآلاتها – تستطيع أن تُعيد صياغة التربية بما يضمن الحفاظ على الثوابت مع التفاعل الإيجابي مع الجديد (Erikson, Marcia, Kroger).

وهنا يتأكد أن المرأة ليست فقط حارسة للقيم، بل مهندسة للتماسك القيمي في ظل الفوضى، وفاعلة في مقاومة الانهيار الأخلاقي، لا عبر الرفض القاطع للواقع، بل عبر بناء “مناعة تربوية” تجعل الطفل يعرف كيف يختار، لا أن يُمنع فقط .

بإضافة هذه الأبعاد الثلاثة، نخرج من فكر الإمام علي (عليه السلام) برؤية شاملة للمرأة لا تختزلها في الجوانب البيولوجية أو الرمزية، بل تقدمها بوصفها شريكة في مشروع بناء الإنسان الكامل، عبر أدوار متكاملة: تربوية، روحية، عقلية، وجدانية، قيمية، اجتماعية، وجودية. هذه الرؤية لا تقتصر على الأدوار التقليدية، بل تُعيد تموضع المرأة في قلب التربية الحديثة، بوصفها محورًا للممانعة الأخلاقية والتجدد الثقافي والاستجابة المرنة للتحولات الكبرى. لتصبح بذلك فاعلًا وجوديًا يحمل مشعل التوازن بين الثوابت والمتغيرات في التربية والقيم.

 

-----------

1. نهج البلاغة، الرسالة 31.

2. غرر الحكم: 5073.

3. نهج البلاغة، الحكمة 70.

4. الاحتجاج للطبرسي، ج2.

5. مستدرك الوسائل، ج14.

6. نهج البلاغة، الخطبة الأولى.

7. غرر الحكم: 866.

8. كنز العمال: 45312.


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد