كتاب واراء

‏من الصمود إلى صناعة المعادلة: كيف أعادت رسالة السيد الخامنئي رسم خريطة الإقليم؟ /

 

‏كتب الاعلامي ⁧ حسين مرتضى⁩ 

‏لم تعد القصة قصة ردّ فعل.

‏ولم يعد المشهد مشهد دولةٍ تتحصّن خلف خطوط الدفاع، تنتظر الضربة القادمة لتصدّها.

‏في رسالته الأخيرة، الموجهة إلى الرأي العام، وإلى الحلفاء والخصوم معاً، وعلى رأسهم واشنطن اعلن قائد الثورة الإسلامية الإيرانية، السيد مجتبى الخامنئي، انتقالاً تاريخياً: من خندق الصمود إلى موقع المبادرة. من الدفاع عن النفس إلى هندسة قواعد اللعبة الإقليمية بأكملها.

‏حين يتحول الرد إلى هجوم

‏اللافت في الرسالة ليس لغة التهديد وحدها، بل إعادة تعريف الفعل نفسه.

‏إدارة مضيق هرمز، ودكّ القواعد العسكرية رداً على أي عدوان، لم تعد تُقدَّم كإجراءات دفاعية ظرفية. بل صُنّفت بوصفها "جهاداً ابتدائياً"، أي فعلاً يحمل أبعاداً أوسع من مجرد الرد، ويفتح الباب على مرحلة جديدة كلياً من المواجهة.

‏هنا، استحضر القائد أسطورة الفينيق. لكن إيران، في هذا التصوير، لا تعود من رماد الحروب كما كانت. بل تُولد من جديد، بصيغة أقوى، وأكثر جذرية، وأكثر قدرة على فرض إيقاعها.

‏إنها ليست عودة. إنها ولادة ثانية.

‏النووي: من "الحق" إلى "الهيبة"

‏التحول الثاني، لا يقل عمقاً عن الأول.

‏لقد غادر الملف النووي في الخطاب القائدي مربعه الضيق، مربع "الحق المسلّم به" الذي يُدافع عنه في قاعات التفاوض. وارتقى إلى مرتبة أخرى تماماً: أن يصبح عنواناً لـ "قوة إيران وعزتها".

‏لم يعد النووي ملفاً تقنياً يُقاس بأجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب. بل أصبح لغةً ناطقة بهيبة الدولة، ورمزاً لسيادتها، وأداةً تعبّر عن مكانتها في النظام العالمي الجديد.

‏ومن يقرأ هذا التحول، يدرك أن طهران لم تعد تخوض معركة إثبات حق، بل معركة تثبيت موقع.

‏هرمز: من ممر تجاري إلى أيقونة قوة

‏وبالتوازي، ارتقى مضيق هرمز من مجرد ممر مائي تمرّ عبره ناقلات النفط، إلى أيقونة استراتيجية تختزل قدرة إيران على صياغة معادلات القوة.

‏هرمز لم يعد نقطة على الخريطة. بل أصبح ورقةً تُعيد ترتيب أوراق العالم، وتُجبر القوى الكبرى على حساب كل خطوة قبل الإقدام عليها.

‏من يملك مفاتيح هرمز، يملك مفاتيح الإيقاع العالمي. وهذا ما تقوله الرسالة بوضوح، دون مواربة.

‏الميدان اتسع... ووحدة الساحات اكتملت

‏الأهم من كل ذلك، أن رقعة الميدان لم تعد محصورة بالجغرافيا الإيرانية.

‏لقد تجاوزت الرسالة حدود طهران، لتلتحم بوحدة الساحات الإقليمية، حيث تتشابك الجبهات وتتكامل الأدوار، وتتحول المواجهة من معركة دولة واحدة إلى معركة محور كامل.

‏إنها رسالة حازمة للعالم أجمع:

‏لقد تجاوزت إيران حدود الردع التقليدي. لم تعد قوة تُحسب حساب ردّها، بل قوة تُجبر واشنطن نفسها على إعادة ضبط برامجها، وساعتها الإقليمية، وحساباتها الاستراتيجية، وفق إيقاع الحضور الإيراني الجديد.

‏من الصمود إلى المبادرة.

‏من الدفاع إلى الهجوم.

من رد الفعل إلى صناعة الفعل.

‏تلك هي النقلة الكبرى التي تؤرخ لها الرسالة.

 

 


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

سيصدر قريباً المرجع الرسالي… سيرةُ علمٍ وموقفٍ ورسالة

مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لرحيل المرجع المجاهد والقائد المجدّد الشيخ محمد مهدي الخالصي (قدّس الله سرّه)، تستعدّ مؤسسة الخلاص الإسلامية لإصدار كتاب «المرجع الرسالي: الشيخ محمد مهدي الخالصي»، من إعداد علي كاظم التميمي.

يعرض الكتاب محطات من سيرته العلمية والجهادية، ومواقفه الفكرية والوطنية، ودعوته إلى وحدة الأمة ونصرة فلسطين، ويضمّ قصائد في مواقفه ورثائه.

كونوا على موعد مع صدوره.