كتاب واراء

الاستبداد... من استبداد الأمة إلى استبداد الحاكم... اختبار الخيرية والمسؤولية وانتصار الحق ومصير الأمم

 

كتب سعيد فارس السعيد

 

بكل يوم جمعة، عندما أحضر للاستماع إلى خطبة الجمعة للعلامة المفكر الشيخ علي الخطيب، لا أستطيع أن أتجاوز مصطلحاته ومعاني كلماته ودلالات عباراته وإشاراته الفكرية؛ بل أجد نفسي مدفوعاً إلى التأمل في روح الكلمة وأعماق الفكرة، ومحاولة قراءة ما وراء المعنى المباشر، لأننا أمام رجل فكر ومفكر مجتهد، يختار مفرداته بعناية، ويحمّل كلماته أبعاداً إيمانية وأخلاقية وإنسانية ووطنية.

ومن بين المعاني التي تستوقفني دائماً العلاقة بين مسؤولية الأمة، ومفهوم الخيرية، وممارسة الحق والعدل، ومواجهة الظلم والاستبداد. فهذه ليست مجرد مفاهيم دينية أو أخلاقية منفصلة عن واقع المجتمعات، بل هي قواعد أساسية في بناء الأمم واستمرار قوتها وحفظ كرامتها وسيادتها، وتحديد موقعها في التاريخ ومصيرها بين الأمم.

ومن هنا تأتي هذه القراءة في مفهوم الاستبداد، ليس باعتباره سلوكاً يمارسه الحاكم وحده، وإنما باعتباره حالة قد تبدأ عندما تتخلى الأمة عن مسؤوليتها، وتتنازل عن دورها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم تنتهي إلى حاكم يستبد بها ويصادر إرادتها وحقوقها.

فالأمة التي تتخلى عن مسؤوليتها في حماية الحق والعدل، وتسمح للظلم بأن يصبح أمراً واقعاً، إنما تهيئ البيئة التي يمكن أن ينمو فيها الاستبداد، بينما الحاكم الذي يستأثر بالسلطة والقرار ويتجاوز حقوق الناس يتحمل مسؤوليته المباشرة عن ممارسة الظلم وإدامته.

قال الله تعالى:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. [آل عمران: 110]

وقال تعالى:

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. [محمد: 7]

وقال تعالى:

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. [محمد: 38]

وقال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. [الرعد: 11]

أولاً: الخيرية مسؤولية وليست امتيازاً

إن وصف الأمة بأنها خير أمة أُخرجت للناس ليس صكّاً مفتوحاً بالتميز، ولا امتيازاً تاريخياً أو هبة دائمة لا تتأثر بأفعالها ومواقفها، وإنما هو تكليف ومسؤولية مرتبطة بأداء واجباتها الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية.

فالأمة التي تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، هي الأمة التي تتحمل مسؤولية حماية الحق، ومواجهة الظلم، والدفاع عن المظلومين، وإقامة العدل، وصيانة كرامة الإنسان.

والأمر بالمعروف لا يقتصر على الوعظ والإرشاد، بل يشمل إقامة الحق في المجتمع، وحماية حقوق الناس، ومحاسبة المسؤولين، ومنع الفساد، وصيانة المال العام، والدفاع عن كل إنسان يتعرض للظلم أو الإقصاء أو انتهاك الكرامة والحقوق.

كما أن النهي عن المنكر لا يعني السكوت عن الأخطاء أو التعايش معها، بل يعني رفض الظلم والفساد والاستبداد، وعدم تحويلهما إلى أمر واقع تقبله الأمة أو تتعايش معه.

فالخيرية ليست في كثرة العدد، ولا في امتلاك الثروات، ولا في القوة العسكرية وحدها، ولا في رفع الشعارات الدينية والسياسية، وإنما في مدى التزام الأمة بالحق والعدل والمسؤولية، وفي قدرتها على أن تكون قوة خير وإصلاح وسلام للناس.

إن الأمة التي تمتلك القوة ولا تستخدمها إلا لحماية مصالحها الخاصة، أو لفرض إرادتها على الآخرين، لا تكون قد حققت جوهر المسؤولية التي تحملها القوة. أما الأمة التي تجعل من قوتها وسيلة لحماية المظلوم، وصيانة الحقوق، وإقامة العدل، وخدمة الإنسان، فإنها تقترب من المعنى الحقيقي للخيرية.

ثانياً: ينصر الله من ينصره... ونصرة الحق أساس انتصار الأمم

يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

إن نصرة الله ليست شعاراً يرفع، ولا ادعاءً بالانتساب إلى الدين، ولا مجرد امتلاك للقوة أو ترديد للكلمات؛ بل تتجسد في نصرة الحق والعدل، والوقوف إلى جانب المظلومين، ومواجهة الظلم والفساد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل على أن تكون الأمة قوة خير ورحمة وإصلاح للناس.

ومن هنا ينبغي أن نعيد النظر في مفهوم الانتصار نفسه.

فالقوة المادية والعسكرية، مهما بلغت، ليست وحدها العامل الحاسم في انتصار الأمم، ولا تكفي لضمان استمرارها أو حفظ مكانتها وسيادتها. فقد تمتلك دولة ما أحدث الأسلحة وأقوى الجيوش وأكبر الثروات، لكنها تخسر احترام الشعوب وثقتها عندما تتحول قوتها إلى أداة للعدوان أو الاستغلال أو فرض الهيمنة.

وفي المقابل، فإن الأمة التي تدافع عن الحق والعدالة، وتحمي كرامة الإنسان، وتتمسك بمبادئها، وتتحمل مسؤوليتها تجاه شعوبها والآخرين، تمتلك عناصر قوة تتجاوز الحسابات المادية والعسكرية.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية القوة العسكرية أو الاقتصادية، فهما من مقومات حماية الدولة وسيادتها، وإنما يعني أن هذه القوة لا تكتسب مشروعيتها الأخلاقية والإنسانية إلا عندما تكون في خدمة الحق والعدل وحماية الوطن والإنسان.

فالانتصار الحقيقي ليس مجرد التفوق في معركة، أو تحقيق مكاسب عسكرية مؤقتة، بل القدرة على بناء مجتمع عادل، وحماية الإنسان، وصيانة الدولة، وتحقيق الأمن والاستقرار، ومنع الظلم من أن يتحول إلى قاعدة تحكم حياة الناس.

وهنا تتضح العلاقة بين نصرة الله ونصرة الحق؛ فالأمة التي تجعل من العدل أساساً لقوتها، ومن كرامة الإنسان غاية لعملها، ومن المسؤولية منهجاً لسلوكها، تكون قد وضعت نفسها في الطريق الذي ينسجم مع القيم التي دعا إليها القرآن الكريم.

 

ثالثاً: 

اختبار الأمة ومصيرها

إن الله سبحانه وتعالى يختبر الأمم من خلال مواقفها وأفعالها، ومدى تمسكها بالحق والعدل، وقدرتها على تحمل المسؤولية.

فالأمة التي تحافظ على قيمها، وتدافع عن حقوق أبنائها، وترفض الظلم والاستبداد، وتحاسب من يسيء إلى مصالحها، تكون أمة قادرة على حماية وجودها واستمرار قوتها وسيادتها.

أما عندما تتخلى الأمة عن مسؤوليتها، وتصبح عاجزة عن التمييز بين الحق والباطل، أو تتنازل عن حقوقها خوفاً من الحاكم أو طمعاً في رضاه، فإنها تبدأ بفقدان مقومات قوتها.

وهنا تتجلى دلالة قوله تعالى:

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.

فالرسالة هنا تتجاوز حدود الأفراد إلى مسؤولية الجماعات والأمم، وتؤكد أن المواقع والمسؤوليات ليست ملكاً دائماً لأحد، وأن بقاء الأمة في موقع الخيرية مرتبط بوفائها بالتزاماتها.

فالأمم لا تسقط دائماً بسبب ضعف مواردها أو قلة إمكاناتها، وإنما قد تسقط عندما تفقد إرادتها، وتتخلى عن قيمها، وتسمح للظلم بأن يتحول إلى نظام، وللخوف بأن يصبح ثقافة، وللصمت بأن يتحول إلى موقف عام.

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الأمة ليس خسارة معركة عسكرية فحسب، بل خسارة قدرتها على التمييز بين الحق والباطل، وفقدان إرادتها في الدفاع عن كرامتها، وقبولها بأن تصبح مصالحها وحقوقها ومستقبل أبنائها رهناً بإرادة أشخاص أو جماعات تحتكر القرار.

رابعاً: من استبداد الأمة إلى استبداد الحاكم

إن أخطر أنواع الاستبداد ليس ذلك الذي يبدأ بقرار من حاكم متسلط فحسب، بل الذي يجد بيئة تسمح له بالنمو والاستمرار.

فعندما تتخلى الأمة عن دورها في الرقابة والمحاسبة، وتتنازل عن حقها في المشاركة وإبداء الرأي، وتقبل أن تُدار شؤونها من دون مساءلة أو محاسبة، فإنها تفتح الطريق أمام استبداد الحاكم.

وقد يبدأ الأمر بتبرير الأخطاء، ثم السكوت عن التجاوزات، ثم الخوف من الاعتراض، وصولاً إلى اعتبار الحاكم فوق النقد والمساءلة.

وهكذا ينتقل الاستبداد من حالة اجتماعية وسياسية تتنازل فيها الأمة عن مسؤوليتها، إلى سلطة تستأثر بالقرار، وتحتكر القوة، وتتعامل مع الدولة ومؤسساتها وكأنها ملك خاص لها.

لكن من الضروري التمييز بين مسؤولية الأمة عن التنازل عن دورها، ومسؤولية الحاكم عن ممارسة الاستبداد.

فلا يجوز أن تتحول مسؤولية المجتمع عن الصمت أو التراجع إلى ذريعة لتبرئة الحاكم أو تخفيف مسؤوليته عن قراراته وممارساته. فالحاكم الذي يستبد، ويصادر الحقوق، ويمنع المحاسبة، ويجعل الولاء لشخصه مقدماً على الولاء للوطن والقانون، يتحمل المسؤولية المباشرة عن الظلم والفساد وإضعاف مؤسسات الدولة.

إن استبداد الأمة، بمعنى تخليها عن واجباتها وحقوقها، قد يهيئ البيئة للاستبداد السياسي، لكنه لا يمنح الحاكم حق الاستبداد، ولا يعفيه من المسؤولية القانونية والأخلاقية والوطنية.

فالسلطة أمانة وليست ملكية، والحكم مسؤولية وليس امتيازاً شخصياً، والدولة ليست ملكاً للحاكم أو حزبه أو جماعته، وإنما هي ملك لجميع مواطنيها، ووجودها واستمرارها مرتبطان بحماية حقوقهم ومصالحهم.

خامساً: الاستبداد يناقض العدل والشورى

إن جوهر الحكم المسؤول يقوم على العدل، واحترام كرامة الإنسان، وصيانة الحقوق، وتحمل الأمانة، والاستماع إلى الناس، ومحاسبة المسؤولين.

أما الاستبداد فيقوم على احتكار القرار، وإلغاء المشاركة، وإضعاف المؤسسات، وتقديم إرادة الفرد على إرادة المجتمع ومصلحة الدولة.

وقد قدّم القرآن الكريم نموذجاً واضحاً في ذم الاستبداد من خلال قصة فرعون، الذي قال لقومه:

﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. [غافر: 29]

إنها صورة الحاكم الذي يحتكر الحقيقة، ويرى أن رأيه وحده هو الصواب، وأن الآخرين لا يملكون حق التفكير أو الاعتراض أو المشاركة.

وفي المقابل، يقدم القرآن الكريم نموذجاً مغايراً في قوله تعالى:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. [الشورى: 38]

فالشورى تعني أن الأمة ليست مجرد جمهور يتلقى الأوامر، وإنما شريك في المسؤولية وصناعة القرار ومراقبة السلطة.

وهي تعني أيضاً أن إدارة الدولة لا يجوز أن تتحول إلى قرار فردي مغلق، وأن مصالح المجتمع لا ينبغي أن تخضع لأهواء الأشخاص أو حساباتهم الخاصة.

والدولة التي تحترم شعبها لا تخشى الرأي الآخر، ولا تعتبر النقد تهديداً، ولا ترى في المساءلة إضعافاً للحكم، بل تعتبرها وسيلة لحماية الدولة وتصحيح مسارها.

كما أن وحدة الدولة وهيبتها لا تتحققان بإلغاء المشاركة أو إقصاء المكونات أو احتكار السلطة، بل تتحققان باحترام القانون، وتحقيق العدالة، وصيانة حقوق الجميع، ومنع الاستفراد بالقرار.

فلا استقرار حقيقياً من دون عدالة، ولا وحدة وطنية مستدامة من دون شراكة، ولا قوة للدولة عندما يشعر بعض مواطنيها بأنهم مواطنون من درجة ثانية.

سادساً: متى تفقد الأمم قوتها؟

تفقد الأمم قوتها عندما تتراجع فيها قيمة الإنسان، وتصبح الحقوق مرتبطة بالولاء، والفرص مرتبطة بالقرب من السلطة، والعدالة خاضعة لموازين القوة والنفوذ.

وتفقد قوتها عندما تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة الأشخاص، وعندما يصبح القانون انتقائياً، وعندما يُكافأ الفاسد ويُعاقب صاحب الرأي، وعندما يُطلب من المواطن الطاعة من دون أن يحصل على حقوقه.

وتفقد قوتها أيضاً عندما تتنازل عن مسؤوليتها في حماية ثرواتها ومواردها ومصالحها الوطنية، أو تسمح لفئة محدودة بأن تستأثر بالقرار والثروة والفرص، بينما تتحمل الغالبية أعباء الفقر والحرمان والتهميش.

إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بجيشها واقتصادها ومواردها، بل بمدى ثقة مواطنيها بمؤسساتها، وبقدرتها على تحقيق العدالة والمساواة، وبشعور كل فرد بأنه شريك في الوطن، لا تابع لحاكم أو جماعة أو حزب.

فالقوة العسكرية من دون عدالة قد تتحول إلى أداة قهر، والثروة من دون مسؤولية قد تتحول إلى وسيلة استغلال، والسلطة من دون محاسبة قد تتحول إلى استبداد.

أما عندما تتكامل القوة مع العدل، والثروة مع المسؤولية، والسلطة مع المحاسبة، فإن الدولة تصبح أكثر قدرة على حماية نفسها ومجتمعها ومستقبل أجيالها.

فالاستبداد قد يمنح الحاكم شعوراً مؤقتاً بالقوة، لكنه يضعف الدولة من الداخل، ويهدم الثقة بين السلطة والمجتمع، ويزرع أسباب الانقسام والانهيار.

الخاتمة: لا خيرية بلا مسؤولية، ولا انتصار بلا حق، ولا حكم بلا محاسبة

إن الخيرية التي تحدث عنها القرآن الكريم ليست مجرد وصف تتفاخر به الأمم، بل مسؤولية يجب أن تتجسد في سلوكها ومواقفها ومؤسساتها وعلاقاتها الإنسانية.

والأمة التي تتخلى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقبل الظلم، وتتنازل عن حقها في المحاسبة، لا تستطيع أن تحمي نفسها من الاستبداد، مهما امتلكت من شعارات أو إمكانات أو قوة مادية وعسكرية.

وفي المقابل، فإن الحاكم الذي ينسى أن السلطة أمانة، وأن الشعب ليس ملكاً له، وأن الدولة ليست مزرعة خاصة، إنما يضع نفسه في مواجهة القيم التي تقوم عليها شرعية الحكم واستمرار الدولة.

إن العلاقة بين الأمة والحاكم ليست علاقة سيد بعبيد، ولا علاقة سلطة مطلقة برعية بلا حقوق، وإنما علاقة مسؤولية متبادلة، أساسها العدل والحق والمحاسبة واحترام كرامة الإنسان.

فالأمة التي لا تحاسب حاكمها تهيئ الطريق لاستبداده، والحاكم الذي لا يقبل محاسبة أمته يهدم بنفسه أسس حكمه.

ولا يمكن لأمة أن تدّعي الخيرية بينما تتخلى عن المظلومين، أو تتعايش مع الفساد، أو تصمت عن انتهاك الحقوق، أو تجعل مصالحها الخاصة مقدمة على مصالح الإنسان والمجتمع.

كما لا يمكن لأمة أن تحقق نصرة الله وهي تجعل القوة غاية بحد ذاتها، بدلاً من أن تجعلها وسيلة لحماية الحق والعدل، والدفاع عن المظلوم، وصيانة كرامة الإنسان.

إن الله سبحانه وتعالى لا يطلب من الأمم أن تكون مجرد قوى مادية أو عسكرية، بل أن تكون قوى حق وعدل وإصلاح، وأن تتحمل مسؤوليتها في إعمار الأرض وخدمة الإنسان ومواجهة الظلم.

وهنا تتجلى الحكمة الكبرى: أن الله لا يمنح الخيرية للأمم لمجرد انتسابها أو تاريخها، ولا يحفظ لها القوة والسيادة من دون أن تتحمل مسؤوليتها؛ فإما أن تكون أمة حاضرة في صناعة مصيرها، حارسة للحق والعدل، وقوة خير للناس، وإما أن تتخلى عن دورها فتفقد أسباب قوتها ومكانتها.

فالاستبداد يبدأ عندما تتنازل الأمة عن مسؤوليتها، ويكتمل عندما يتوهم الحاكم أنه أصبح فوق المساءلة.

أما الانتصار الحقيقي، فلا تصنعه القوة وحدها، بل تصنعه أمة تعرف لماذا تمتلك القوة، ولمن تستخدمها، وما القيم التي تدافع عنها؛ أمة تنتصر للحق والعدل، وتكون نصيراً للمظلوم، لا ظالماً، وقوة خير للناس، لا عبئاً عليهم

.

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

سيصدر قريباً المرجع الرسالي… سيرةُ علمٍ وموقفٍ ورسالة

مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لرحيل المرجع المجاهد والقائد المجدّد الشيخ محمد مهدي الخالصي (قدّس الله سرّه)، تستعدّ مؤسسة الخلاص الإسلامية لإصدار كتاب «المرجع الرسالي: الشيخ محمد مهدي الخالصي»، من إعداد علي كاظم التميمي.

يعرض الكتاب محطات من سيرته العلمية والجهادية، ومواقفه الفكرية والوطنية، ودعوته إلى وحدة الأمة ونصرة فلسطين، ويضمّ قصائد في مواقفه ورثائه.

كونوا على موعد مع صدوره.