كتاب واراء

ما بين أميركا وإيران… كانت يد الله تتكلم

 

بقلم: أمين السكافي

لم تكن المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران مجرد حرب صواريخ وطائرات، ولا كانت اختباراً تقليدياً لموازين القوة بين دولة عظمى ودولة إقليمية قررت ألا تستسلم. كان في المشهد ما هو أبعد من الحسابات العسكرية، وما يتجاوز خرائط العمليات وغرف القيادة وبنوك الأهداف. كان هناك شعب يستعد لمواجهة تهديد وجودي، وقيادة تضع احتمالات الحرب الشاملة أمامها، وأمة ترفع أكفها إلى السماء في لحظة بدا فيها أن الأرض بكل ما تملك من أسلحة وتقنيات قد ضاقت بأهلها. وبين هذا وذاك، كان التاريخ يكتب فصلاً جديداً من فصول الصراع بين إرادة الهيمنة وإرادة الصمود.

منذ اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران في الثامن والعشرين من شباط 2026، لم يخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن أهداف الحرب تتجاوز تدمير المنشآت النووية والصاروخية. فقد تحدث عن إضعاف النظام وتهيئة الظروف لتغييره، ورافق ذلك تصعيد في الخطاب والتهديدات، وصل إلى التلويح بتدمير الجسور ومحطات الكهرباء ومنشآت الطاقة والمياه، في محاولة واضحة لتحويل حياة الإيرانيين اليومية إلى جبهة ضغط على دولتهم وقيادتهم.

ولم تكن تلك التهديدات مجرد عبارات عابرة في سجال سياسي. ففي الثاني من نيسان، هدد ترامب صراحة باستهداف الجسور ومحطات الكهرباء، وكان قد لوّح قبل ذلك بتدمير البنية التحتية للطاقة والمياه. أما الحديث عن استخدام سلاح نووي تكتيكي، فلم يتوافر ما يثبت صدور قرار أميركي موثق باستخدامه أو وجود خطة معلنة لتنفيذه، لكنه ظل حاضراً في المخاوف التي أثارها حجم التصعيد وطبيعة التهديدات.

كانت الفكرة الأميركية، كما ظهرت في تصريحات المسؤولين ومسار العمليات، تقوم على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، واستنزاف أدوات الدولة، وضرب مراكز القيادة والسيطرة، وخلق ظروف داخلية قد تفضي إلى اضطراب واسع أو تغيير سياسي. فالدولة التي تنقطع عنها الكهرباء والمياه والاتصالات، وتتعرض إداراتها الحيوية للقصف، تصبح أمام امتحان بالغ القسوة، لا يقتصر على قدرتها على مواصلة القتال، بل يمتد إلى قدرتها على حماية مجتمعها وإبقاء مؤسساتها قائمة.

لكن ما لم يكن في الحسابات الأميركية بالضرورة أن إيران لم تدخل المواجهة بلا استعداد. لقد بنت على مدى سنوات تصوراً لحرب لا تقتصر على حدودها، ووضعت في حساباتها القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج، والمنشآت العسكرية واللوجستية، ومصادر الطاقة، فضلاً عن بنك أهداف واسع داخل الكيان الإسرائيلي. وهكذا تحولت الجغرافيا التي ظنت واشنطن أنها تمنحها التفوق إلى مساحة مكشوفة لاحتمالات الرد المتبادل.

وكانت الرسالة الإيرانية واضحة: إذا أصبحت المنشآت الحيوية الإيرانية هدفاً، فلن تبقى المصالح العسكرية والاقتصادية المرتبطة بالحرب بمنأى عن الاستهداف. ولم يكن ذلك مجرد تهديد نظري؛ فقد وثقت تقارير صحافية وأقمار اصطناعية تعرض منشآت وقواعد أميركية في المنطقة لضربات إيرانية، وتضرر مواقع عسكرية ومنشآت لوجستية، بما كشف أن الحضور العسكري الأميركي في الخليج لا يعني بالضرورة الحماية المطلقة.

ثم كان هناك مشهد آخر، ربما لا يقل أهمية عن مشاهد الصواريخ والانفجارات. مشهد مجموعة من المصلين، يتقدمهم إمامهم، يؤدون الصلاة في منطقة تحيط بها الصواريخ ومنشآت الحرب. بدا المشهد، في الصور المتداولة، كأنه اختصار لعلاقة الإنسان المؤمن بالخوف والمصير؛ أناس يعرفون أن الموت قد يكون قريباً، لكنهم يختارون أن يواجهوا اللحظة بالصلاة، لا بالهلع.

لا نحتاج إلى أن نحول ذلك المشهد إلى رواية خارقة، ولا أن ننسب إلى السماء ما لم نملك عليه دليلاً مادياً. يكفي أن نفهم معناه: حين تبلغ المخاطر أقصى درجاتها، يبحث الإنسان عن القوة التي لا تستطيع الطائرات والصواريخ انتزاعها منه؛ قوة الإيمان والطمأنينة واليقين بأن الأجل ليس بيد من يملك زر إطلاق النار.

وهنا تتوقف الحكاية العسكرية قليلاً، لنقترب من المعنى الديني الذي لا يمكن فصله عن وجدان المؤمنين. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ليست الآية وعداً بأن المؤمن لن يتألم، أو أن طريقه لن يمر بالدمار والخسائر، بل تذكير بأن القوة المادية، مهما بلغت، ليست صاحبة الكلمة الأخيرة في مصير الأمم.

وفي الوقت الذي كان فيه ترامب يتحدث عن القوة الأميركية وقدرتها على إخضاع إيران، كانت جبهة أخرى تتشكل داخل الولايات المتحدة نفسها. فالحرب التي أرادها البيت الأبيض وسيلة لإعادة رسم المنطقة، بدأت ترتد على الداخل الأميركي، من أسعار الوقود إلى الاقتصاد، ومن انقسام المجتمع إلى تراجع الثقة بالسياسة الخارجية للإدارة.

وجاء الثالث من تشرين الثاني ليحمل مفاجأة سياسية مدوية. توجه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات النصفية، فخسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وحقق الديمقراطيون انتصاراً واسعاً. لم يكن ذلك سقوطاً لرئاسة ترامب أو نهاية لحكمه، فالرئيس لا يزال في البيت الأبيض، لكنه كان هزيمة انتخابية ثقيلة لإدارته وحزبه، وضربة لقدرته على تمرير مشروعه السياسي خلال العامين المتبقيين من ولايته.

والأكثر دلالة أن ترامب نفسه لم يستطع تجاهل العلاقة بين الحرب والنتيجة. ففي تصريحاته يوم الرابع من تشرين الثاني أقر بأن الحرب على إيران كانت جزءاً من أسباب خسارة الجمهوريين، وربط بين ارتفاع أسعار الوقود وتراجع التأييد الانتخابي. بل إن نائبه جي دي فانس ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر الحرب سبباً رئيسياً للهزيمة. ومع ذلك، أصر ترامب على أنه اتخذ القرار الصحيح وأنه كان سيكرره لو عاد به الزمن.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: رجل امتلك قرار الحرب، وامتلك أكبر ترسانة عسكرية في العالم، وهدد دولة بأكملها بإعادتها إلى العصر الحجري، وجد نفسه عاجزاً عن إقناع الناخب الأميركي بأن كلفة هذه الحرب تستحق ما يدفعه المواطن من جيبه ومن استقرار حياته.

هل نستطيع أن نقول إن يد الله كانت وراء هذه النتيجة؟ من المنظور الإيماني، نعم، يمكن للمؤمن أن يقرأ في تقلبات التاريخ حكمة إلهية، وأن يرى في انكسار مشاريع الاستعلاء تذكيراً بأن للظالم نهاية، وأن موازين القوة ليست حكراً على أصحاب الجيوش والثروات. لكن ذلك لا يعني أن كل نتيجة انتخابية دليل قطعي على تدخل غيبي مباشر، ولا أن خسارة حزب سياسي تعني سقوط دولة أو نظام.

إنما المفارقة أن إيران، التي أراد ترامب أن يجعل من الحرب عليها وسيلة لإسقاط نظامها، تحولت الحرب نفسها إلى عبء سياسي على إدارته. وبينما كان البيت الأبيض يهدد بإطفاء أنوار المدن الإيرانية، انطفأ جزء كبير من رصيده السياسي في صناديق الاقتراع الأميركية.

ولعل الدرس الأعمق هنا أن القوة ليست دائماً في القدرة على تدمير ما يملكه الآخرون، بل في القدرة على تحمل النتائج التي تترتب على استخدام تلك القوة. فالدول لا تقاس فقط بما تملكه من حاملات طائرات ورؤوس نووية، بل أيضاً بما تستطيع مجتمعاتها احتماله، وبمدى استعداد شعوبها لدفع أثمان الحروب التي يقررها حكامها.

لقد رأينا مصلين يرفعون جباههم إلى الأرض في محيط الصواريخ، ورأينا رئيساً يرفع سقف تهديداته إلى حدود تدمير البنية التحتية لدولة بأكملها، ثم رأيناه يعود إلى شعبه ليكتشف أن صناديق الاقتراع تستطيع أن تضع حدوداً لما لا تستطيع الطائرات وضعه.

وليس المطلوب أن نعلن انتصاراً نهائياً لإيران، فالحرب لم تنتهِ، وأثمانها الإنسانية والاقتصادية والعسكرية ما زالت ثقيلة، والمستقبل لا يزال مفتوحاً على احتمالات كثيرة. لكن ما حدث في واشنطن يقدم مشهداً يستحق أن نتوقف عنده طويلاً.

فقد يملك الإنسان قرار إطلاق الصاروخ، لكنه لا يملك ضمانة النتائج، وقد يملك مفاتيح القوة، لكنه لا يملك مفاتيح الغيب. وبين سجود المؤمنين وصناديق الناخبين، وبين صواريخ إيران وقرارات واشنطن، تبرز حقيقة واحدة: ليس كل من يملك القوة يملك النصر، وليس كل من يبدو محاصراً قد خسر معركته.

وهكذا، ما بين أميركا وإيران، كانت يد الله تتكلم في وجدان المؤمنين؛ لا بالضرورة عبر معجزة يراها الناس، بل عبر تذكير التاريخ من جديد بأن للظلم حدوداً، وللغرور أثماناً، وأن إرادة البشر، مهما أحاطت بها القوة، تبقى دون إرادة الله وحكمته.

(ملاحظة توثيقية: استندت القراءة السياسية إلى تقارير رويترز عن اعتراف ترامب بتأثير الحرب في خسارة الجمهوريين، وإلى تقرير وكالة أسوشيتد برس عن الأضرار التي لحقت بالقواعد الأميركية، وإلى وثائق الكونغرس البريطاني حول أهداف الحرب وتطوراتها، وتقارير رويترز عن تهديدات استهداف البنية التحتية الإيرانية.)


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة