قلمي يخرج عن صمته ليكتب عن:
«مغامرة للفرح...»
حين تستيقظ الشعوب وتسقط أحلام الهيمنة والحروب
كتب سعيد فارس السعيد
قد تبدو الكتابة عن الفرح في منطقة أنهكتها الحروب والدماء والدمار نوعاً من المغامرة، لكنني أعتبرها اليوم مغامرة تستحق أن نخوضها، ليس لأن الحروب انتهت، ولا لأن مخاطر المنطقة زالت، بل لأن مؤشرات سياسية وشعبية مهمة بدأت تكشف أن إرادة الشعوب قادرة على وضع حدود لمغامرات الحكام وأحلامهم، مهما امتلكوا من قوة ونفوذ وسلاح.
إن ما شهدته الولايات المتحدة في الانتخابات النصفية في الثالث من تشرين الثاني 2026، وما شهدته إسرائيل في انتخاباتها التشريعية في السابع والعشرين من تشرين الأول، يفتحان باباً واسعاً لقراءة مرحلة جديدة من التحولات السياسية، ويكشفان أن مشاريع الحرب والهيمنة ليست محصنة أمام إرادة الناخبين والشعوب.
ففي الولايات المتحدة، حقق الديمقراطيون فوزاً كبيراً وانتزعوا السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ من الجمهوريين، في رسالة انتخابية قوية إلى إدارة دونالد ترامب، بما يضع إدارته أمام واقع سياسي جديد، ويمنح المعارضة قدرة أكبر على الرقابة والمساءلة والتأثير في التشريعات والميزانيات والسياسات العامة.
أما في إسرائيل، فقد أظهرت النتائج النهائية للانتخابات التشريعية خسارة معسكر بنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية، إذ حصل معسكره على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر المعارضة، فيما حصلت القائمتان العربيتان على 19 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست.
وبذلك لم يتمكن أي من المعسكرين الرئيسيين من تأمين الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعداً، لتشكيل حكومة مستقرة، وأصبحت عملية تشكيل الحكومة مرتبطة بمفاوضات وائتلافات سياسية معقدة.
هذه ليست نهاية ترامب السياسية، ولا نهاية نتنياهو بصورة نهائية، لكنها انتكاسة انتخابية وسياسية كبيرة لمشروعيهما، ورسالة بأن الشعوب ليست مجرد جمهور يُطلب منه التصفيق لقرارات الحروب.
أولاً:
صحوة الضمير الأمريكي والأصوات اليهودية والإسرائيلية الرافضة للحروب والاحتلال.
إن من أهم ما يستحق التوقف عنده أن الاعتراض على الحروب والسياسات التوسعية لم يعد محصوراً بالشعوب العربية والإسلامية، بل أصبح حاضراً داخل المجتمع الأمريكي نفسه، وبين اليهود في مختلف دول العالم، وكذلك داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث توجد أصوات وشخصيات وتيارات ترفض الحروب والاحتلال والاستيطان والقتل والتهجير والتمييز العنصري.
وهنا لا بد من توضيح موقف مبدئي لا يجوز الالتباس بشأنه:
【 إن اليهود الذين يعيشون في مختلف دول العالم، ويحملون جنسيات تلك الدول، ويتمتعون بحقوق المواطنة فيها، هم مواطنون كغيرهم، ولا يجوز تحميلهم مسؤولية سياسات حكومة الكيان الإسرائيلي أو ممارسات الحركة الصهيونية لمجرد انتمائهم الديني.
كما يجب التمييز بين اليهودية بوصفها ديانة، وبين الصهيونية بوصفها مشروعاً سياسياً واستيطانياً، وبين المشروع الإسرائيلي الذي قام على احتلال فلسطين، وما ارتبط به من استقدام مستوطنين من مختلف أصقاع العالم، وإقامة المستوطنات على أراضي الشعب الفلسطيني، والاستيلاء على أرضه ودياره وتهجير سكانها، وممارسة القتل والتمييز العنصري والحرمان من الحقوق الوطنية والإنسانية.】
"إن نقد هذا المشروع ومقاومة سياساته ورفض الاحتلال لا يمثل عداءً لليهود كأتباع ديانة، بل هو موقف سياسي وأخلاقي وإنساني في مواجهة انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في أرضه ودياره وتقرير مصيره".
وفي المقابل، لا يجوز أيضاً وضع جميع الإسرائيليين في سلة واحدة، فهناك إسرائيليون يرفضون سياسات الاحتلال والحروب والتوسع الاستيطاني، ويؤمنون بحق الفلسطينيين في الحرية والكرامة والحياة.
فليس كل يهودي صهيونياً، وليس كل إسرائيلي مؤيداً لنتنياهو، ولأحلام الصهاينة التلموديين التوسعية ؛
وليس كل أمريكي مؤيداً للكيان الاسرائيلي و لترامب.
لقد عبّر الناخب الأمريكي عن رفضه لسياسات حزبية وإدارية ارتبطت بالحرب والاقتصاد وتكاليف المعيشة وإدارة شؤون البلاد، وجاءت نتائج الانتخابات لتفرض واقعاً سياسياً جديداً على ترامب وحزبه.
وهنا تكمن أهمية الصحوة الشعبية:
أن يصبح الإنسان قادراً على التمييز بين حق الشعوب في الأمن والحياة، وبين تحويل القوة العسكرية إلى وسيلة للهيمنة على الآخرين، وأن يدرك أن أمن أي شعب لا يمكن أن يُبنى على حرمان شعب آخر من وطنه وحقوقه.
إنني أرى في هذه الأصوات الأمريكية واليهودية والإسرائيلية الرافضة للحروب والاحتلال والعدوان أملاً إنسانياً يتجاوز حدود الانتخابات والتحالفات السياسية، ويؤسس لاحتمال قيام موقف عالمي أوسع يرفض أن تكون حياة الشعوب وحقوقها ثمناً لطموحات الحكام والمشاريع التوسعية.
___من نهج الإمام علي إلى الضمير الإنساني العالمي.
ومن الدلالات التي تستحق التوقف عندها أيضاً فوز بعض المرشحين العرب والمسلمين، الذين حملوا في خطاباتهم ومواقفهم رسائل إنسانية واضحة، عبّروا فيها عن رفض إبادة الشعوب وقتل المدنيين، والدفاع عن حق الإنسان في الحياة والكرامة، بعيداً عن الانتماءات الدينية والعرقية.
فمنهم من وجد الناخبون في موقفه الرافض للإبادة والحروب تعبيراً عن ضمير إنساني لا يقبل تبرير قتل الشعوب، ومنهم من عكست مواقفه وخطاباته قيماً تتقاطع مع نهج وفكر الإمام علي بن أبي طالب، الذي قال في وصيته لمالك الأشتر:
«الناس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق».
إنها فلسفة إنسانية عابرة للأديان والمذاهب، تجعل كرامة الإنسان أساساً للعلاقة بين البشر، وتؤكد أن الاختلاف في العقيدة أو الهوية لا يسقط حق أحد في الحياة والعدالة والاحترام.
وهنا تكمن أهمية هذه الدلالة:
أن تصل القيم الإنسانية التي عبّر عنها الإمام علي قبل قرون إلى فضاء النقاش السياسي المعاصر، وأن تصبح مواقف رفض الإبادة والظلم والدفاع عن حقوق الشعوب جزءاً من الوعي الانتخابي والمجتمعي.
فالإنسانية ليست ملكاً لدين أو قومية أو طائفة، والعدالة لا تتجزأ، ورفض قتل شعب لا ينبغي أن يكون موقفاً سياسياً موسمياً، بل مبدأ أخلاقياً ثابتاً.
إنني أرى أن هذه القيم تمثل أحد أهم الجسور التي يمكن أن تجمع الشعوب، وتعيد الاعتبار إلى مفهوم الإنسان بوصفه إنساناً، لا بوصفه رقماً في حسابات السياسة والحروب.
ثانياً: أحلام إسرائيل الكبرى وحدود القوة
لقد ارتبطت مشاريع بعض التيارات السياسية الإسرائيلية المتشددة بأفكار التوسع وفرض الوقائع بالقوة، وتجاوز حقوق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.
وكانت مغامرات الحرب والتهديد والاغتيالات والتدمير، في نظر أصحاب هذه المشاريع، وسائل لتحقيق التفوق وفرض معادلات إقليمية جديدة.
لكن ما جرى في المنطقة أثبت أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها ضمان الاستقرار أو إخضاع الشعوب أو صناعة مستقبل سياسي مستدام.
إن صمود إيران، وتضحيات المقاومين في لبنان واليمن والعراق، ودماء القادة الذين سقطوا في المواجهات، وما تحمله المدنيون من أثمان باهظة، كلها عناصر لا يمكن تجاوزها عند قراءة نتائج المواجهة الإقليمية.
لقد ساهمت هذه المواجهة في إظهار حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية، وفي رفع كلفة مشاريع الحرب والهيمنة، وفرض أسئلة استراتيجية لم تكن مطروحة بهذه الحدة من قبل.
ولا يعني ذلك أن جميع الأهداف العسكرية والسياسية قد حُسمت، أو أن مخاطر الاعتداءات انتهت، وإنما يعني أن إخضاع المنطقة بالقوة ليس أمراً مضموناً، وأن الشعوب التي تتمسك بأرضها وكرامتها ليست مجرد أرقام في حسابات القوى الكبرى.
أما مشروع إسرائيل الكبرى، فلا يمكن أن يتحول إلى حقيقة مستقرة بمجرد امتلاك القوة العسكرية أو فرض الوقائع على الأرض؛ فحقوق الشعوب وسيادة الدول وحقها في تقرير مصيرها ليست تفاصيل يمكن تجاوزها في حسابات التوسع والهيمنة.
ثالثاً: إيران.. أسطورة الزمان ومعجزة المكان
إن التجربة الإيرانية تستحق قراءة استراتيجية تتجاوز المواقف المسبقة والخلافات السياسية والمذهبية.
فقد أثبت صمود الشعب الإيراني، ووحدته الوطنية في مواجهة التهديدات والضغوط والحرب، أن قوة الدول لا تُقاس فقط بترسانتها العسكرية أو بحجم اقتصادها، بل بقدرتها على المحافظة على تماسك مجتمعها، وحماية قرارها الوطني، والاستمرار في مواجهة التحديات.
لقد راهن خصوم إيران على أن الضغوط والحروب ستؤدي إلى تفككها وإضعاف إرادتها الوطنية، لكن تماسك المجتمع الإيراني وصبره أظهرا أن الحسابات التي تتجاهل إرادة الشعوب قد تكون خاطئة ومكلفة.
كما أن تضحيات إيران وشهدائها، وما قدمه حلفاؤها في لبنان واليمن والعراق من أثمان بشرية ومادية، فرضت واقعاً إقليمياً لا يمكن تجاهله عند تقييم نتائج المواجهة.
ومن هنا أقول إن إيران، بما أظهرته من صمود وتماسك وقدرة على الاستمرار، تستحق أن توصف في هذه اللحظة التاريخية بأنها:
«أسطورة الزمان ومعجزة المكان».
وهذه العبارة ليست حكماً بأن إيران لا تواجه تحديات أو أخطاء أو أزمات داخلية، وإنما تعبير عن قراءة لحجم قدرتها على الصمود في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
إن قوة إيران الحقيقية لا تكمن فقط في قدراتها العسكرية، بل في قدرتها على المحافظة على قرارها الوطني ووحدة مجتمعها، وفي إظهار أن إرادة الشعوب لا يمكن إخضاعها بسهولة.
رابعاً:
مسؤولية العرب بين صمت الحكام ووعي الشعوب
ومن المؤلم أن نقارن بين حجم التضحيات التي قدمتها شعوب المنطقة، وبين مواقف بعض الحكومات العربية التي اختارت الصمت أو التردد أو المسايرة، بدلاً من امتلاك موقف عربي مستقل يحمي مصالح الأمة وحقوق شعوبها.
إن الاعتماد على الحماية الأجنبية، والتعامل مع المنطقة بمنطق المحاور، والابتعاد عن بناء موقف عربي مشترك، لا يصنع أمناً ولا يحفظ سيادة.
كما أن بعض الخطابات الشعبية التي غذّتها الطائفية والجهل والتعصب ساهمت في تشتيت الوعي العربي، وتحويل الخلافات المذهبية إلى حواجز بين الشعوب، بدلاً من توحيدها حول قضايا السيادة والعدالة والكرامة الإنسانية.
ومع ذلك، لا يجوز تعميم المسؤولية على الشعوب العربية؛ ففيها الكثير من أصحاب الوعي والمواقف الإنسانية والوطنية الذين رفضوا الحروب والاعتداءات، ووقفوا إلى جانب حق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة.
إن المطلوب اليوم ليس أن نكون مع إيران أو ضدها على أساس مذهبي، ولا أن نكون مع أمريكا أو ضدها على أساس عاطفي، بل أن نمتلك معياراً وطنياً وإنسانياً واحداً: احترام سيادة الدول، ورفض العدوان، وحماية المدنيين، ورفض الهيمنة والاستبداد.
خامساً: عار الجاهلية الجديدة
حين تنتصر الطائفية على الضمير والإنسانية
إنه لمن المؤسف، بل من العار التاريخي والأخلاقي، أن تستكين قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية داخل أوطانها أمام سرقة ثرواتها، واستباحة مقدراتها، والتفريط بحقوقها وسيادتها، وأن تعجز عن التحرر من عباءة الجاهلية الأولى، ومن التعصب الديني والمذهبي والطائفي البغيض.
والأكثر إيلاماً أن يصل الأمر ببعض هذه المجتمعات إلى الوقوف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى جانب سياسات جلاديها، أو التماهي مع قوى العدوان والهيمنة، لمجرد أن المظلوم أو المقاوم لا ينتمي إلى مذهبها أو عقيدتها أو جماعتها السياسية.
أي منطق هذا الذي يجعل بعض الناس أكثر استعداداً لقبول الظلم إذا صدر عن حليف مذهبي، وأكثر استعداداً لرفض المظلوم إذا اختلف معهم في العقيدة أو الانتماء؟
كيف يمكن لإنسان يدّعي الإيمان بالله والالتزام بالقيم الدينية أن يتخلى عن المظلوم في غزة، أو عن المدنيين في اليمن، أو عن أهلنا في جنوب لبنان، لمجرد اختلاف الهوية المذهبية أو الحسابات السياسية؟
وكيف يمكن أن تتحول مقاومة الاحتلال، في نظر بعضهم، إلى موقف مرفوض لا بسبب أهدافها أو ممارساتها التي يمكن نقدها ومحاسبتها، بل لمجرد أنها لا تنتمي عقائدياً أو طائفياً إلى جماعتهم؟
إن مقاومة الاحتلال لا تمنح أحداً حصانة من النقد والمساءلة، ولكن الاختلاف مع أي مقاومة لا يبرر الوقوف مع الاحتلال، ولا يبرر تبرير العدوان، ولا يسقط حق الشعوب في الدفاع عن أرضها وكرامتها.
إن معيار المواقف يجب أن يكون العدالة والحق ورفض العدوان، وليس المذهب أو الطائفة أو الهوية السياسية.
وهنا يحق لنا أن نتساءل بمرارة:
أية أمة هذه التي تسمح للتعصب أن يعمي بصيرتها، وللطائفية أن تسرق منها ضميرها، وللجهل أن يحولها إلى جماعات متناحرة، فيما تُنهب ثرواتها وتُستباح أوطانها ويُقتل أبناؤها؟
وأي تخلف أشد خطراً من أن يصبح الإنسان حليفاً لمن يظلمه، وعدواً لمن يختلف معه في العقيدة، حتى لو كان ذلك المختلف يقف في مواجهة الاحتلال والعدوان؟
إنها جاهلية جديدة، لا تقوم على عبادة الأصنام، بل على عبادة التعصب والأسماء والرايات، وتقديم الانتماء الضيق على كرامة الإنسان وحقه في الحياة.
وليس المقصود إدانة الشعوب العربية والإسلامية جميعها، ففيها أحرار وشرفاء وأصحاب ضمائر ومواقف مشرفة، وإنما المقصود إدانة حالة الاستسلام للجهل والطائفية، حيثما وجدت، ومحاسبة كل من يجعل من الاختلاف المذهبي ذريعة لتبرير الظلم والعدوان.
إن الأمة التي لا تنتصر للمظلوم لأنه مختلف عنها، ولا تدافع عن ثرواتها وحقوقها لأنها أسيرة الانقسامات، تحتاج إلى صحوة فكرية وأخلاقية وتاريخية قبل أن تحتاج إلى أي انتصار سياسي أو عسكري.
فالعدالة لا مذهب لها، والكرامة لا طائفة لها، والاحتلال لا يصبح مشروعاً لأن ضحيته تختلف عنا، والظلم لا يصبح حقاً لأن مرتكبه ينتمي إلينا.
سادساً:
ماذا بعد تراجع مشاريع ترامب ونتنياهو؟
إن خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس الأمريكي تعني أن ترامب سيواجه رقابة سياسية وتشريعية أكثر صعوبة، بعد انتقال السيطرة الديمقراطية إلى المجلسين مع بدء الدورة التشريعية الجديدة في كانون الثاني 2027.
وستصبح قرارات إدارته ومشاريعه أكثر عرضة للمساءلة والمواجهة السياسية، كما ستتغير موازين التأثير في إقرار الميزانيات والتشريعات والمصادقة على التعيينات والتحقيقات البرلمانية.
لكن ذلك لا يعني أن صلاحيات الرئيس الأمريكي انتهت، أو أنه فقد سلطاته الدستورية في السياسة الخارجية والأمن القومي؛ بل يعني أن قدرته على تمرير أجندته الداخلية والسياسية أصبحت أكثر تعقيداً.
وفي إسرائيل، فإن النتائج النهائية للانتخابات وتعقيدات تشكيل الحكومة تضع نتنياهو أمام اختبار سياسي بالغ الصعوبة، بعد خسارة معسكره الأغلبية البرلمانية، وتفتح المجال أمام احتمالات تغيير في قيادة الحكومة واتجاهاتها.
لكن الأهم من مصير شخص هنا أو زعيم هناك هو مصير السياسات التي قادت المنطقة إلى هذا المستوى من الحروب والتوترات.
فلا يجوز أن يكون مستقبل الشرق الأوسط رهينة طموحات أشخاص، أو حسابات انتخابية، أو مصالح تجارية وشخصية، أو مشاريع توسعية تقوم على القوة والسلاح.
إن الشعوب الأمريكية والإسرائيلية والعربية والإيرانية وسائر شعوب المنطقة تستحق أن تعيش بسلام وأمان، وأن تنفق ثرواتها على التعليم والصحة والتنمية، لا على حروب لا تنتهي.
خاتمة القول:
إنني أعتبر ما يجري مغامرة للفرح، لأنني أرى في صحوة الشعوب أملاً يتجاوز حدود السياسة والانتخابات، وفي تراجع مشاريع الحرب والهيمنة فرصة لإعادة الاعتبار للعقل والضمير والإنسان.
لقد أثبتت التجارب أن القادة قد يملكون الجيوش والأسلحة والمال والنفوذ، لكنهم لا يستطيعون امتلاك إرادة الشعوب إلى الأبد.
كما أثبتت إيران بصمود شعبها ووحدته الوطنية أن الأوطان لا تُقاس بحجمها الجغرافي وحده، وأن قوة الإرادة قد تجعل من المكان الصعب تاريخاً استثنائياً.
أما شهداء لبنان واليمن والعراق وإيران، وكل ضحايا الحروب في منطقتنا، فإن دماءهم تفرض علينا مسؤولية أخلاقية وتاريخية بألا تتحول تضحياتهم إلى وقود لمغامرات جديدة، بل إلى دافع لبناء مستقبل أكثر عدلاً وأمناً وكرامة.
إن الصحوة الأمريكية التي أفرزت تغييراً في موازين الكونغرس، والتحولات السياسية داخل إسرائيل، والأصوات اليهودية والإسرائيلية الرافضة للحروب والاحتلال، وفوز مرشحين عرب ومسلمين حملوا خطاباً إنسانياً رافضاً للإبادة، وصمود الشعب الإيراني، وتضحيات شعوب المنطقة، كلها مؤشرات تستحق القراءة والتأمل، وإن كانت لا تعني أن معركة السلام والعدالة قد انتهت.
إنها مغامرة للفرح، لا بالانتصار على الشعوب، بل بانتصار الشعوب على أوهام الحرب والهيمنة، وبانتصار إنسانية الإنسان على منطق القتل والتدمير.
فسلامٌ لوعي الشعوب، وسلامٌ لكل من يرفض الظلم والعدوان، وسلامٌ لشرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام»