كتاب واراء

الكونغرس الأميركي وصلاحياته من صناعة القوانين إلى محاسبة الرئيس وعزله

كتب إسماعيل النجار،

 

تحت عنوان؛

الكونغرس الأميركي وصلاحياته من صناعة القوانين إلى محاسبة الرئيس وعزله،

 

معلومات موثقة من مصادر رسمية...

*كيف يعمل النظام التشريعي الأميركي؟ وما حدود سلطة مجلس النواب ومجلس الشيوخ في مواجهة الرئيس؟

*يحتل الكونغرس موقعاً محورياً في بنية النظام السياسي الأميركي، بوصفه السلطة التشريعية الاتحادية التي تتولى سنّ القوانين، وإقرار الموازنات، وممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية. ولا تقتصر أهمية هذه المؤسسة على دورها التشريعي فحسب، بل تمتد إلى امتلاكها صلاحيات دستورية تتيح لها مساءلة رئيس الولايات المتحدة، وصولاً إلى إمكانية عزله من منصبه وفق إجراءات وشروط محددة.

*لكن فهم طبيعة هذه الصلاحيات يستدعي التمييز بين الكونغرس بمجلسيه، وبين الدور المستقل لكل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

*أولاً؛ ما هو الكونغرس الأميركي؟

[الكونغرس هو البرلمان الاتحادي للولايات المتحدة الأميركية، ويتألف من مجلسين يشكلان معاً السلطة التشريعية في البلاد]

1. مجلس الشيوخ: يتكون من 100 عضو، بواقع عضوين عن كل ولاية من الولايات الأميركية الخمسين، بصرف النظر عن حجم سكانها أو مساحتها. وتبلغ مدة عضوية عضو مجلس الشيوخ ست سنوات، ويُجدّد انتخاب نحو ثلث أعضاء المجلس كل سنتين.

2. مجلس النواب: يتكون من 435 عضواً مصوّتاً، تتوزع مقاعدهم بين الولايات وفقاً لعدد السكان، مع ضمان حد أدنى من التمثيل لكل ولاية. وتبلغ مدة عضوية النائب سنتين.

وبذلك، يبلغ مجموع أعضاء الكونغرس المصوّتين 535 عضواً، من دون احتساب المندوبين والمفوّض المقيم في مجلس النواب، الذين لا يتمتعون بحق التصويت النهائي على التشريعات في المجلس بكامل هيئته.

ويعكس هذا التكوين توازناً دستورياً بين مبدأ المساواة في تمثيل الولايات داخل مجلس الشيوخ، ومبدأ التمثيل السكاني داخل مجلس النواب.

[ثانياً؛ لماذا يتألف الكونغرس من مجلسين؟]

*لم يكن اعتماد المجلسين تفصيلاً إدارياً، بل جاء تعبيراً عن تسوية دستورية تاريخية هدفت إلى تحقيق التوازن بين الولايات الكبيرة والصغيرة، وإقامة نظام تشريعي يمنع انفراد جهة واحدة بالقرار. ففي مجلس النواب، تتأثر قوة التمثيل بحجم السكان، بينما تتمتع الولايات جميعها بتمثيل متساوٍ في مجلس الشيوخ.

وتقتضي عملية إقرار القوانين الاتحادية، في الأصل، موافقة المجلسين على النص التشريعي نفسه، ثم إحالته إلى الرئيس للتوقيع عليه أو استخدام حق النقض، مع إمكان تجاوز الفيتو وفق الإجراءات الدستورية، التي تتطلب عادة أغلبية الثلثين في كل مجلس. أما المعاهدات والتعيينات الرئاسية الرئيسية، فلها أحكام خاصة، أبرزها صلاحية مجلس الشيوخ في الموافقة عليها وفق الدستور.

[ثالثاً؛ هل يستطيع الكونغرس عزل الرئيس الأميركي؟]

نعم، يمنح الدستور الأميركي الكونغرس صلاحية محاسبة الرئيس وعزله، لكنه لا يجعل هذه الصلاحية بيد المجلسين بصورة متطابقة، بل يوزعها بينهما على مرحلتين منفصلتين.

وتُعرف هذه العملية باسم المساءلة والعزل، أو «Impeachment». وتقوم على التمييز بين توجيه الاتهام، وبين الإدانة التي يترتب عليها العزل.

[مجلس النواب صاحب سلطة توجيه الاتهام]

يمتلك مجلس النواب وحده صلاحية توجيه الاتهام بالعزل إلى الرئيس، وذلك من خلال إقرار مواد الاتهام. ويكفي، في التصويت المعتاد، الحصول على أغلبية بسيطة من الأصوات المؤهلة، مع توافر النصاب القانوني، لإقرار مادة اتهام. وهنا تبرز حقيقة دستورية مهمة: حتى لو صوّت جميع أعضاء مجلس النواب، وعددهم 435 عضواً، بالإجماع على اتهام الرئيس، فإن هذا التصويت لا يعزله من منصبه. فالإجماع النيابي، مهما بلغت قوته السياسية، لا يُغني عن المرحلة الدستورية التالية.

[مجلس الشيوخ؛ سلطة المحاكمة والإدانة والعزل]

بعد توجيه الاتهام، ينتقل الملف إلى مجلس الشيوخ الذي يتولى محاكمة الرئيس. وفي محاكمة الرئيس، يرأس الجلسة رئيس المحكمة العليا الأميركية، بينما يتولى أعضاء مجلس الشيوخ دور المحلفين في الإجراء الدستوري.

ويتطلب الحكم بإدانة الرئيس موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين. وبما أن العدد الإجمالي لأعضاء المجلس هو 100، فإن بلوغ عتبة الثلثين يتطلب، في حال حضور الأعضاء المئة، 67 صوتاً مؤيداً للإدانة.

أما إذا كان عدد الحاضرين أقل، فإن النسبة المطلوبة تُحتسب من عدد الحاضرين، لا من مجموع أعضاء المجلس بالضرورة، شريطة توافر النصاب القانوني. وإذا تحققت الإدانة، يُعزل الرئيس من منصبه. ويمكن أن يتبع ذلك تصويت منفصل بشأن منعه من تولي منصب اتحادي مستقبلاً، وفق الشروط الدستورية.

[رابعاً؛ ما الأسباب التي تسمح بعزل الرئيس؟]

*ينص الدستور الأميركي على إمكان عزل الرئيس ونائب الرئيس والمسؤولين المدنيين الاتحاديين في حالات الخيانة والرشوة و«الجرائم والجنح الجسيمة الأخرى». ولا تعني هذه العبارة أن كل مخالفة قانونية أو خلاف سياسي مع الرئيس يصلح تلقائياً أساساً للعزل، بل تتعلق بمخالفات خطيرة تستوجب المساءلة الدستورية، ويظل تقديرها خاضعاً للإجراءات الدستورية والقرار السياسي والقانوني للمؤسسات المختصة. ومن المهم أيضاً أن العزل ليس مرادفاً للمحاكمة الجنائية العادية؛ فالإجراء البرلماني له طبيعته الدستورية الخاصة، كما أن العزل لا يحسم وحده مسألة المسؤولية الجنائية المحتملة.

[خامساً؛ ماذا لو كان مجلس النواب بأكمله ضد الرئيس؟]

*هنا تتجلى إحدى أهم خصائص النظام الأميركي. لنفترض أن حزباً معارضاً للرئيس سيطر على مجلس النواب، وحصل على إجماع جميع أعضائه في التصويت على اتهامه بالعزل.

في هذه الحالة، لا يفقد الرئيس منصبه تلقائياً، بل تبدأ مرحلة المحاكمة في مجلس الشيوخ.

فإذا لم تتوافر أغلبية الثلثين المطلوبة للإدانة، لا يُعزل الرئيس بموجب هذه المحاكمة. أما إذا توافرت الأغلبية الدستورية، فيُعزل من منصبه.

وهذا يعني أن سيطرة المعارضة على مجلس النواب قد تمكّنها من فتح مسار العزل، لكنها لا تضمن الوصول إلى نهايته. ومن الناحية السياسية، تصبح مواقف أعضاء مجلس الشيوخ، بما في ذلك أعضاء حزب الرئيس نفسه، ذات أهمية بالغة، خصوصاً عندما تكون المقاعد موزعة بصورة متقاربة.

[سادساً؛ ماذا يقول التاريخ الأميركي؟]

شهدت الولايات المتحدة حالات بارزة من توجيه الاتهام بالعزل إلى رؤساء أثناء توليهم المنصب. فقد وُجّه الاتهام إلى أندرو جونسون عام 1868، وإلى بيل كلينتون عام 1998، وإلى دونالد ترامب مرتين، عامي 2019 و2021.

لكن أياً من هؤلاء الرؤساء لم يُدن في مجلس الشيوخ بما يؤدي إلى عزله. أما ريتشارد نيكسون، فقد استقال عام 1974 قبل تصويت مجلس النواب بكامل هيئته على مواد العزل، ولذلك لا يُعد رئيساً عُزل فعلياً عبر هذه الآلية.

وتكشف هذه السوابق أن توجيه الاتهام إلى الرئيس ممكن سياسياً ودستورياً، لكن تحويله إلى عزل فعلي أكثر تعقيداً، نظراً إلى اشتراط أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ.

[ توازن السلطات لا يعني غياب الصراع]

إن بنية الكونغرس الأميركي تعكس فلسفة دستورية تقوم على توزيع السلطات ومنع تركيزها في يد مؤسسة واحدة. فمجلس النواب يمثل الإرادة الشعبية وفق التوزيع السكاني، ومجلس الشيوخ يمثل الولايات بالتساوي، بينما يمارس الرئيس السلطة التنفيذية ضمن حدود الدستور. وفي هذا الإطار، لا يستطيع مجلس النواب وحده، حتى لو صوّت بالإجماع، عزل الرئيس الأميركي، كما لا يستطيع مجلس الشيوخ بدء إجراءات الاتهام من تلقاء نفسه من دون مسار مجلس النواب. إن العزل، في جوهره، ليس مجرد مواجهة حزبية، بل إجراء دستوري استثنائي يجمع بين المسؤولية السياسية والرقابة المؤسسية، ويكشف في الوقت ذاته أن قوة الرئيس الأميركي، على الرغم من اتساعها، ليست مطلقة، وأن مساءلته ممكنة، لكنها مشروطة بتوافق دستوري بالغ الصعوبة.

بيروت في،،،4/11/2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة