كتاب واراء

خولة معروف تنشر تعليقًا على مقال الكاتب والباحث السوري المستقل سعيد فارس السعيد حول المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

 

 

بقلم: خولة معروف

ميشيغان – الولايات المتحدة الأمريكية

 

في زمن تتكاثر فيه الانقسامات وتتراجع فيه لغة الحوار أمام ضجيج الصراعات، تكتسب المقالات التي تعيد التذكير بالمؤسسات الوطنية الجامعة أهمية استثنائية. ومن هذا المنطلق، قرأت باهتمام كبير المقال الذي كتبه الباحث السوري المستقل سعيد فارس السعيد حول نشأة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ودوره الوطني والإنساني في لبنان.

 

لقد نجح الكاتب في تسليط الضوء على حقيقة قد يغفل عنها كثيرون، وهي أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لم يُنشأ ليكون إطارًا مذهبيًا ضيقًا، بل ليكون مؤسسة وطنية تسهم في تعزيز حضور المواطنين الشيعة داخل الدولة اللبنانية، وفي الوقت نفسه تشارك في حماية الوحدة الوطنية وترسيخ ثقافة العيش المشترك.

 

إن أهمية المجلس لا تنبع فقط من مكانته الدينية، بل من الإرث الوطني الذي تركه مؤسسه الإمام السيد موسى الصدر، الذي آمن بأن كرامة الإنسان ووحدة الوطن والعدالة الاجتماعية هي قيم تتقدم على كل أشكال التعصب والانغلاق. وقد استمر هذا النهج مع القيادات التي تعاقبت على المجلس، فبقي منبرًا للحوار والتلاقي والدفاع عن السلم الأهلي.

 

وأوافق الكاتب في رؤيته بأن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يمتلك من التاريخ والشرعية والرصيد الوطني ما يؤهله لأن يكون صوتًا معتدلًا وحكيمًا يعبر عن تطلعات أبناء الطائفة الشيعية، وأن يساهم في بناء جسور التواصل مع مختلف المكونات اللبنانية والعربية والإسلامية.

 

كما أن المرحلة الراهنة تفرض على المؤسسات الدينية الكبرى أن تتجاوز حدود العمل التقليدي، وأن تنخرط بصورة أوسع في الدفاع عن قضايا الإنسان والعدالة والتنمية والاستقرار، وأن تقدم نموذجًا يجمع ولا يفرق، ويحاور ولا يصادم، ويبني الثقة بين الشعوب والمجتمعات.

 

ومن هنا، فإن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يمتلك فرصة مهمة لتعزيز حضوره الفكري والإنساني والثقافي، وأن يوسع دائرة تأثيره بما يخدم قيم الاعتدال والانفتاح والتعاون بين الشعوب، وأن يكون منبرًا لصوت العقل والحكمة في عالم يموج بالأزمات والصراعات.

 

إن المقال الذي كتبه سعيد فارس السعيد لا يكتفي بسرد تاريخ مؤسسة وطنية عريقة، بل يفتح الباب أمام نقاش جدي حول الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الدينية الوطنية في بناء السلام الاجتماعي وترسيخ ثقافة المواطنة والشراكة.

 

وأرى أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بحكم مكانته التاريخية والدينية والوطنية، قادر على أن يكون الصوت الحقيقي للشيعة المؤمنين بالدولة والمؤسسات، وبقيم الاعتدال والانفتاح والحوار، وأن يقدم نموذجًا حضاريًا يعكس الصورة المشرقة للإسلام المحمدي الأصيل القائم على الرحمة والعدالة واحترام الإنسان.

 

كما أن الحاجة اليوم أصبحت أكثر إلحاحًا إلى تعزيز دور المرجعيات الوطنية الجامعة التي تضع مصلحة الأوطان فوق أي اعتبار آخر، وتسعى إلى توحيد الصفوف وتقريب وجهات النظر ونبذ كل أشكال التعصب والانقسام، وهو الدور الذي يستطيع المجلس أن يؤديه بفاعلية إذا ما استمر في التمسك برسالته التاريخية ونهجه الوطني المعتدل.

 

ويبقى الأمل أن يستمر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في أداء رسالته الوطنية والإنسانية، وأن يبقى بيتًا للحوار ومنبرًا للاعتدال وجسرًا للتواصل بين مختلف المكونات اللبنانية والعربية، وفاءً للرسالة التي تأسس من أجلها، وخدمةً للإنسان والوطن.

 

خولة معروف

ميشيغان – الولايات المتحدة الأمريكية


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة