من الاستجداء التوافقي إلى السيادة الإنتاجية: إعادة تعريف التظاهر السلمي وتأصيل البديل المجتمعي الاستراتيجي في العراق
إعداد/الكاتب والباحث في الشأن السياسي والإجتماعي
الشيخ عدنان صگر الخليفه
رئيس إتحاد القبائل العراقية
المقدمة والشواهد البنيوية
تمر المجتمعات الوطنية بأزمات بنيوية حادة حين تُسلب منها أدوات التأثير السيادي، وتُختزل إرادتها في منظومات حكم ريعية قائمة على المحاصصة والارتهان للأجندات الخارجية. لقد أنتج الواقع السياسي في العراق بعد عام 2003 نمطاً من إدارة الدولة يعتمد على تثبيت انعدام الأمن وتفكيك النسيج الاجتماعي، مستغلاً المال السياسي ومؤسسات التجهيل الممنهج لإبقاء المجتمع في حالة تبعية مطلقة للسلطة وأحزابها.
وفي هذا السياق، جرى تدجين أدوات الاعتراض الشعبي وتحويلها إلى ما يمكن تسميته بالتظاهر التوافقي المأذون به؛ وهو النمط الذي يطلب فيه الضحية إذن الاحتجاج من الجلاد نفسه، لِيُمْنَحَ الحق صكاً شكلياً يفرغ الغضب الشعبي في مسارات استعراضية لا تترك أي أثر في معادلة الحكم. إن كسر هذا الطوق لا يتم باستجداد العطف أو الصراخ الموسمي في الساحات، بل ينطلق من إعادة تعريف التظاهر السلمي بصفته شمولاً تنظيماً وفعلاً إنتاجياً يفكك ركائز التبعية، ويستعيد بها المواطن موقعه الأصيل بوصفه صاحب السيادة الأعظم ورأس المال الحقيقي للدولة.
أولاً: الأبعاد الشاملة للتظاهر السلمي وسقوط أحادية الشارع
إن مفهوم التظاهر في الفكر السياسي الوطني والتحرري لا يُحد بالخروج الشارعي فحسب، بل يمتد ليكون منظومة سلوكية ومؤسسية تعاكس رغبات المنظومة الحاكمة في الهيمنة، وتتوزع على الأبعاد التالية:
أ/ التظاهر المعرفي والتربوي: مواجهة سياسات التجهيل الممنهج عبر بناء مناهج وعي أهلية، وإعادة الاعتبار للتعليم النقدي والتربية الوطنية الصادقة في المراحل الأساسية، لحماية الأسرة والجيل الناشئ من استهداف السوشيال ميديا والتسطيح الثقافي.
ب/ التظاهر الحقوقي والقانوني: فرض حاكمية النص الدستوري والعدالة المجتمعية، وتجريد السلطة من توظيف القانون كأداة لحماية صفقاتها وشرعيتها الموهومة.
ج/ التظاهر الأكاديمي والمهني: امتناع النخب والخبرات الوطنية عن إسناد مؤسسات الفساد، وتوجيه البحث العلمي لتشخيص الأزمات الوطنية ووضع الحلول المستقلة.
د/ التظاهر الإنتاجي والاقتصادي: وهو الشكل الأرقى والأكثر فاعلية للتظاهر السلمي؛ إذ يتحول العمل، والاستغناء الذاتي، وبناء الحاضنات الإنتاجية إلى فعل احتجاجي صامت يقطع شريان المال والتحكم السياسي.
ثانياً: التظاهر الزراعي والنهوض بالثروة الحيوانية
يمثل القطاع الزراعي خط الدفاع الأول عن القوت والسيادة؛ إذ إن الارتكاز على استيراد الغذاء يُبقي قرار الدولة والمجتمع رهينة للمنافذ الحدودية وحيتان الاستيراد الحزبي.
أ/ فك الارتهان للأسواق الخارجية: تأمين المحاصيل الاستراتيجية والبذور الوطنية يمنع ابتزاز المجتمع عبر الأزمات الإقليمية أو تقلبات أسواق الغذاء الدولية.
ب/ تطوير الثروة الحيوانية: يمثل التوسع في الزراعة القاعدة الأساسية لتأمين الأعلاف والمراعي الطبيعية، مما يرفع كفاءة الإنتاج المحلي من اللحوم والألبان ومشتقاتها، ويؤمن مائدة المواطن بعيداً عن المواد المستوردة الضارة أو المغشوشة.
ج/ إنشاء شبكات التوزيع الشعبية المباشرة: إلغاء حيتان أسواق الجملة والوسطاء التابعين للأحزاب، عبر تشكيل روابط وتنسيقيات شعبية تربط الفلاح والمربي بالبقال والمستهلك مباشرة داخل المدن.
ثالثاً: الدورة التصنيعية التحويلية وتحقيق التكامل الداخلي
تترابط السلسلة الإنتاجية لتشكل مجمعاً اقتصادياً محلياً مغلقاً يحمي المجتمع من الأزمات المالية العالمية، حيث يبدأ المسار من الإنتاج الزراعي للأعلاف والمحاصيل، ليمتد مباشرة إلى النمو الحيواني وإنتاج الألبان واللحوم والجلود، ويصب ختاماً في الصناعة التحويلية والتغذية والنسيج والتعبئة.
أ/ تأسيس القاعدة الصناعية التحويلية: تحويل مخرجات الزراعة والثروة الحيوانية إلى صناعات وطنية غذائية، جلدية، ونسيجية تشغل الأيدي العاملة الوطنية وتستوعب الطاقات الشابة.
ب/ الاعتماد على العملة الوطنية: عند تغطية الاحتياجات الأساسية بنسبة ترتفع من 60% إلى 70% بالمنتج المحلي، يقل الطلب على العملة الأجنبية، مما يفك ارتباط لقمة عيش المواطن بمزاد العملة وتذبذب أسعار الصرف.
ج/ تحويل الفائض إلى طاقة تصديرية: يتحول ما يزيد عن الاكتفاء الذاتي إلى طاقة تصديرية تجذب العملة الصعبة بالشروط الوطنية الخالصة، ودون أدنى تنازل عن القرار السيادي.
رابعاً: الروابط التكافلية وفرض الشروط المجتمعية
إن تحويل هذه الرؤية إلى واقع ميداني يتم عبر تأسيس روابط وتنسيقيات واتحادات مهنية مجتمعية تعمل وفق نظام داخلي تضامني وموحد.
أ/ الحماية المجتمعية الذاتية: هذه التنسيقيات لا تستجد تراخيص أمنية ولا تدفع كومسيونات حزبية، بل تستمد حمايتها وشرعيتها من التفاف المجتمع حولها، لما تقدمه من منفعة ملموسة واستقلال عن شروط المنظومة الريعية.
ب/ قلب معادلة الندّية: حين يمتلك المجتمع الممتد عبر عشائره، ونخبه، ومزارعيه، وصناعييه رأس المال الحقيقي من غذاء، وإنتاج، وتشغيل، وكتلة بشرية، تصبح السلطة الريعية هي الطرف الضعيف المحتاج لرضا المجتمع.
ج/ إملاء الشروط الوطنية: ينقلب ميزان القوى من حالة التبعية والاستجداء إلى حالة فرض الشروط المجتمعية على إدارة البلد، مجبرةً المؤسسات السياسية على الخضوع للبديل الوطني أو مواجهة الشلل والتلاشي أمام مجتمع أدار نفسه بنجاح.
الخلاصة الاستراتيجية
تؤكد رئاسة إتحاد القبائل العراقية من خلال هذه الرؤية أن بناء الدولة الوطنية المستقلة لا يمر عبر ممرات الصفقات الحزبية، ولا عبر الاحتجاجات الشكلية التي يستأذن فيها الضحية قاتله. إن السيادة الحقيقية تُبنى على الأرض؛ حين يتحول المجتمع من مستهلك تابع إلى منتج سيادي، وحين تتضافر سواعد الفلاح، والصناعي، والمعلم، والأكاديمي في جبهة إنتاجية متكاملة. إن التظاهر بالإنتاج والعمل والتلاحم المجتمعي هو الطريق الوحيد لانتزاع الحقوق، وبناء العراق المستقل، وصيانة كرامة الإنسان.
1 تشرين الثاني 2026