كتاب واراء

عن أي عقيدة يسألون وبها يفاضلون؟

 بوصلة المواقف ...

 

حوار صحفي مع سؤال يحاول أن يحوّل الإيمان إلى تهمة، والوطن إلى أداة ابتزاز

 

كان السؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه كان يحمل في داخله أكثر من علامة استفهام، وربما أكثر من فخ. جلس الصحفي قبالة ضيفه، وفتح دفتر ملاحظاته، ثم بادره بنبرة أراد لها أن تبدو محايدة:

 

الصحفي: دعني أبدأ من السؤال الذي يتكرر كثيرًا في النقاشات العامة: أيهما أولى بالإنسان، العقيدة أم الوطن؟ وهل يمكن أن تكون العقيدة مقدمة على الانتماء الوطني؟

 

المحاور: قبل أن أجيبك، أريد أن أسألك سؤالًا آخر: عن أي عقيدة تسأل، وبأي وطن تقارنها؟

 

الصحفي: أليس السؤال واضحًا؟ الإنسان ينتمي إلى وطن، وله عقيدة يؤمن بها، فلماذا لا يكون الوطن أولًا؟

 

المحاور: هنا تبدأ المغالطة. أنت وضعت الوطن والعقيدة في كفتين متقابلتين، وكأن الإيمان خصم للجغرافيا، وكأن الوفاء للوطن لا يتحقق إلا بالتنازل عن المبدأ. فمن قال إن العقيدة الحقة تطلب من الإنسان أن يكره وطنه؟ ومن قال إن حب الوطن يقتضي أن يتخلى عن إيمانه؟

 

إن المشكلة ليست في السؤال، بل في الطريقة التي يُراد بها توظيفه. فبعضهم لا يسأل ليعرف، وإنما يسأل ليبتز. لا يبحث عن حقيقة الانتماء، بل يريد أن يضع الآخر أمام امتحان مصطنع، فإذا قدّم عقيدته اتهمه بالخيانة، وإذا تحدث عن وطنه طالبه بإثبات ولائه وفق المقاييس التي يرسمها هو.

 

الصحفي: ولكن ألا يعني تقديم العقيدة على الوطن أن الإنسان مستعد للتخلي عن بلده من أجل معتقده؟

 

المحاور: ولماذا تستغرب ذلك؟ أليس التاريخ الإنساني، والتاريخ الديني على وجه الخصوص، حافلًا برجال هاجروا أو اضطروا إلى مغادرة أوطانهم دفاعًا عن إيمانهم ومبادئهم؟

 

هل كان إبراهيم عليه السلام يترك موطنه لأنه لا يعرف قيمة الأرض؟ أم لأنه رفض أن يجعل عقيدته خاضعة لأصنام قومه وسلطة المتسلطين عليهم؟

 

يقول الله تعالى على لسان إبراهيم:

 

إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

 

ويقول تعالى: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ

 

وهل كانت هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة تخليًا عن الوطن، أم كانت انتقالًا اضطراريًا بعد أن ضاقت مكة برسالته، واشتد أذى الذين أرادوا إخضاع الإيمان لسلطتهم؟

 

لقد كانت مكة موطن مولده ونشأته، وفيها أهله وذكرياته، ومع ذلك اضطر إلى مغادرتها حين تحولت السلطة فيها إلى قوة تحارب الرسالة وتضيّق على المؤمنين.

 

وهنا ينبغي أن نفهم الفرق بين الوطن بوصفه أرضًا وأهلًا وذاكرة، وبين السلطة التي تدّعي أنها تمثل الوطن، ثم تحتكر اسمه وتفرض على الناس عقيدتها السياسية أو الفكرية.

 

الصحفي: إذن أنت ترى أن الهجرة ليست نقيضًا للوطنية؟

 

المحاور: بل قد تكون الهجرة موقفًا أخلاقيًا حين تصبح الإقامة ثمنًا للتنازل عن الإيمان والكرامة. فالإنسان لا يُلام لأنه غادر أرضًا ضاقت عليه، وإنما ينبغي أن يُسأل من الذي جعل الأرض تضيق بأهلها؟

 

من الذي حوّل الوطن إلى مكان لا يستطيع فيه الإنسان أن يؤمن بحرية، أو يعبر عن قناعته، أو يرفض الظلم دون أن يخشى العقوبة؟

 

ومن الذي دفع الأنبياء والمرسلين والأولياء والمصلحين إلى مغادرة أوطانهم؟

 

هل نلوم المهاجر لأنه رفض الظلم، أم نبحث في ظلم السلطة التي جعلت الهجرة طريقًا للنجاة؟

 

إن القرآن لا يقدّم الهجرة باعتبارها خيانة للأرض، بل يضعها في سياق الدفاع عن الإيمان والنجاة من الفتنة والظلم.

 

يقول تعالى:

 

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا

 

إنها آية تفتح بابًا واسعًا للتأمل: لماذا يُصر بعض الناس على محاكمة المهاجر، ويتجنبون محاكمة الظلم الذي دفعه إلى الهجرة؟

 

الصحفي: لكن هناك من يقول إن الوطن لا ينبغي أن يخضع لعقيدة دينية، وإن الدولة يجب أن تكون فوق الانتماءات العقائدية.

 

المحاور: هنا أيضًا يجب التفريق بين الدولة والوطن، وبين إدارة التنوع ومصادرة الإيمان.

 

الدولة التي تحمي حقوق مواطنيها جميعًا، وتحترم اختلاف عقائدهم، وتضمن لهم حرية الاعتقاد والعبادة، لا تتعارض مع العقيدة الحقة. بل إن العدل الذي تقوم عليه الدولة هو قيمة أخلاقية تلتقي معها العقيدة.

 

أما حين تتحول الدولة إلى سلطة تفرض معتقدًا سياسيًا أو فكريًا، وتطالب الناس بتقديم الولاء للحاكم على حساب ضمائرهم، فإنها لا تحمي الوطن، بل تختطف معناه.

 

الوطن ليس الحاكم، وليس الحزب، وليس النظام، وليس حدود السلطة ومصالحها. الوطن هو الإنسان والأرض والتاريخ والحقوق والذاكرة والمستقبل.

 

ومن أكبر المغالطات أن يُساوى بين الاعتراض على السلطة والعداء للوطن، أو بين رفض الظلم ورفض الدولة، أو بين تمسك الإنسان بعقيدته وبين خيانته لمجتمعه.

 

فهل يصبح كل من يعارض الحاكم عدوًا للوطن؟ وهل يصبح كل من يرفض قرارًا ظالمًا فاقدًا للانتماء؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يتبقى من مفهوم المواطنة سوى الطاعة؟

 

الصحفي: ولكنك تتحدث عن العقيدة باعتبارها المعيار الأعلى. ألا يمكن أن تكون هناك عقائد تجعل الإنسان يفضل بلدًا على آخر، أو تضع جماعته فوق بقية البشر؟

 

المحاور: هذا هو السؤال الذي كان ينبغي أن نبدأ به.

 

ليس كل ما يُسمّى عقيدة يستحق أن يكون معيارًا للإيمان، وليس كل من يرفع شعار الدين يمثل جوهره.

 

العقيدة الحقة لا تجعل الله محصورًا في جغرافيا، ولا تمنحه جنسية، ولا تضع له حدودًا سياسية. فالله رب العالمين، وليس رب شعب دون شعب، ولا رب أرض دون أرض.

 

يقول تعالى:رَبُّ الْعَالَمِينَ. ويقول:وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ

 

فكيف يمكن لعقيدة تؤمن برب العالمين أن تجعل حدود الدول معيارًا لصدق الإيمان؟

 

إن الله لا يحتاج إلى وطن يحمي وجوده، ولا إلى حدود تحاصر سلطانه، ولا إلى جنسية تمنح الإنسان حق الاقتراب منه. وإنما الإنسان هو الذي يحتاج إلى الهداية، وإلى عقيدة تحرره من عبودية البشر والأصنام والأهواء.

 

أما العقيدة التي تجعل العرق أو الأرض أو السلطة أو الجماعة معيارًا للحقيقة، وتمنح بلدًا أو شعبًا قداسة مطلقة، وتربط الحق بمكان الميلاد أو الولاء السياسي، فهي عقيدة تحتاج إلى مراجعة نقدية عميقة؛ لأنها تستبدل معيار الحق بمعيار الانتماء.

 

وإذا كان الشرك هو جعل شريك لله في العبادة أو الربوبية، فإن تقديس البشر والسلطات على نحو يناقض التوحيد لا يصبح مشروعًا لمجرد ارتدائه ثوب الوطنية.

 

الصحفي: تقصد أن هناك من يستخدم الوطن بدلًا من الله، أو يجعل السلطة بمنزلة العقيدة؟

 

المحاور: أقصد أن بعض الخطابات تخلط بين حب الوطن وتقديس السلطة، حتى يصبح الحاكم هو الوطن، وتصبح معارضته جريمة أخلاقية، ويصبح الدفاع عن امتيازاته واجبًا وطنيًا.

 

وهنا تنقلب المفاهيم.

 

بدل أن تكون السلطة في خدمة الوطن، يصبح الوطن في خدمة السلطة.

 

وبدل أن تكون العقيدة ميزانًا للحاكم والمحكوم، تصبح أداة بيد الحاكم لتبرير أفعاله.

 

وبدل أن يكون الإنسان حرًا في إيمانه، يصبح مطالبًا بأن يثبت ولاءه السياسي قبل أن يُسمح له بالحديث عن حقوقه.

 

وهذا ليس وطنية، بل تحويل للوطن إلى معبود سياسي، وتحويل للمواطنة إلى اختبار طاعة.

 

الصحفي: لكن أليس من الممكن أن يكون الإنسان مؤمنًا بعقيدته ومخلصًا لوطنه في الوقت نفسه؟

 

المحاور: بالتأكيد، وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن نفهمه.

 

العقيدة الحقة لا تمنع الإنسان من حب أرضه، ولا من الدفاع عن أهلها، ولا من المشاركة في بنائها، ولا من التضحية في سبيل أمنها وكرامة شعبها.

 

بل إن الإيمان الصادق ينبغي أن يجعل الإنسان أكثر التزامًا بالعدل، وأكثر رفضًا للفساد، وأكثر حرصًا على حقوق الناس، بصرف النظر عن أديانهم وأعراقهم وأصولهم.

 

لكن لا يجوز أن يتحول حب الوطن إلى ذريعة للتنازل عن الحق، كما لا يجوز أن تتحول العقيدة إلى ذريعة لظلم الآخرين.

 

فالوطنية التي لا تعرف العدل تتحول إلى عصبية، والعقيدة التي لا تعرف الرحمة تتحول إلى أداة إقصاء.

 

وليس كل من هاجر ترك وطنه، وليس كل من بقي فيه وفيًّا له. فقد يعيش الإنسان في وطنه بجسده، لكنه ينهب خيراته ويبيع مستقبله، وقد يعيش بعيدًا عنه، لكنه يحمل هموم شعبه ويدافع عن حقوقه ويعمل من أجل كرامته.

 

الصحفي: إذن ما رأيك بمن يطرح سؤال العقيدة أم الوطن، ثم ينتظر من المقابل أن يختار أحدهما؟

 

المحاور: أراه سؤالًا يحتاج أولًا إلى تصحيح مقدماته.

 

لأن من يطالبك بالاختيار بين الإيمان والوطن يتجاهل عمدًا أن العقيدة الحقة لا تناقض حب الوطن، وأن الوطن لا يكتسب قداسة مطلقة تجعله فوق الحق والعدل.

 

ثم إن السؤال الأهم ليس: لماذا قدّم الإنسان عقيدته على وطنه؟

 

بل: لماذا اضطر إلى الاختيار أصلًا؟

 

من الذي وضعه أمام هذا التزاحم والتناقض؟

 

من الذي جعل التمسك بالإيمان سببًا للاضطهاد، وجعل الخضوع للسلطة شرطًا للبقاء؟

 

إن من يدفع المؤمنين إلى الهجرة بسبب عقيدتهم لا يستطيع بعد ذلك أن يحتكر الحديث عن الوطنية، ثم يتهم الذين هُجّروا بأنهم لا يحبون أوطانهم.

 

فالسلطة التي تطرد أبناء الوطن بسبب إيمانهم أو ضمائرهم أو مواقفهم العادلة، هي التي ينبغي أن تواجه السؤال الأخلاقي، لا الضحايا الذين اضطروا إلى الرحيل.

 

الصحفي: ولكن هل يمكن أن يكون الانتماء العقائدي نفسه سببًا للظلم، وأن يبرر بعض الناس اضطهاد الآخرين باسم الدين؟

 

المحاور: نعم، وهذا احتمال لا ينبغي إنكاره. فليس كل من ادعى الإيمان عادلًا، وليس كل من رفع راية العقيدة ممثلًا لها.

 

إن العقيدة لا تُقاس بما يقوله أصحابها عن أنفسهم، بل بما تنتجه من قيم ومواقف وسلوك.

 

من يظلم باسم الدين لا تمنحه الشعارات حصانة من النقد، ومن يقتل باسم العقيدة لا يصبح فعله مقدسًا، ومن يقصي الآخرين بسبب اختلافهم لا يستطيع أن يجعل من إيمانه حجة على صحة ما يفعل.

 

إن معيار العقيدة الحقة هو التوحيد والعدل والرحمة وصيانة كرامة الإنسان، لا الاستعلاء والتمييز وعبودية السلطة.

 

الصحفي: بقي سؤال أخير. إذا طلبت منك أن تختصر موقفك من هذه القضية في إجابة واحدة، فماذا تقول؟

 

المحاور: أقول له: لا تسألني أيهما أختار، العقيدة أم الوطن، قبل أن تحدد لي أي عقيدة تقصد، وأي وطن تعني.

 

إن كنت تقصد عقيدة التوحيد التي تجعل الله رب العالمين، وتحرر الإنسان من عبودية الطغاة، وتدعوه إلى العدل، فهي ليست خصمًا للوطن، بل ميزانًا أخلاقيًا يحميه من أن يتحول إلى ملكية خاصة للسلطة.

 

وإن كنت تقصد عقيدة تقديس الحاكم أو الجماعة أو الأرض، وتقديم مصالحها على الحق، فهذه ليست وطنية بالضرورة، ولا تصبح صحيحة لمجرد أنها ترفع شعار الوطن.

 

أما الوطن الذي يطالب أبناءه بالتخلي عن ضمائرهم حتى يسمح لهم بالبقاء فيه، فالمشكلة ليست في عقيدة الذين غادروه، بل في السلطة التي جعلت الإيمان ثمنًا للإقامة.

 

ثم أغلق المحاور دفتره، لكنه لم يغلق باب السؤال.

 

الصحفي: إذن أنت لا ترفض السؤال، وإنما ترفض الابتزاز الذي يقف خلفه؟

 

المحاور: بالضبط. أنا أرفض أن يتحول الإيمان إلى تهمة، وأن تتحول الهجرة إلى دليل خيانة، وأن تتحول الوطنية إلى شهادة حسن سلوك تمنحها السلطة لمن يصفق لها.

 

وأرفض أن يُسأل الإنسان عن ولائه لأرضه، بينما لا يُسأل الحاكم عن وفائه لأهلها.

 

فإذا كان الوطن يستحق التضحية، فإن شعبه يستحق العدل. وإذا كان الإيمان يستحق الثبات، فإن السلطة مطالبة بأن تحترم حرية المؤمنين وغير المؤمنين على السواء.

 

ثم نهض المحاور، وقبل أن يغادر، أضاف جملة أخيرة:

 

لا تجعلوا من الوطن صنمًا يُعبد، ولا من العقيدة سيفًا يُسلط على رقاب الناس، ولا من الهجرة جريمة يرتكبها المظلومون.

 

فالأوطان لا تفقد أبناءها لأنهم تمسكوا بالحق، وإنما تفقد معناها حين تصبح السلطة فيها أقوى من العدالة، وحين يُطلب من الإنسان أن يختار بين ضميره وأرضه.

 

وعندها لا يكون السؤال الحقيقي عن أي عقيدة يسألون وبها يفاضلون، بل عن أي سلطة جعلت الإيمان تهمة، والوطن امتيازًا، والطاعة مقياسًا للانتماء؟

 

فالعقيدة الحق لا تحدها حدود الأوطان، والوطن الحق لا يضيق بأصحاب العقائد. أما السلطة التي تضيق بالمؤمنين والمختلفين وأصحاب الضمائر، فهي التي ينبغي أن تُسأل عن عقيدتها في الحكم، وعن إيمانها بالعدل، وعن حقيقة وطنيتها.

 

 

بقلم جليل هاشم البكاء


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة