كتاب واراء

إسرائيل أمام معضلة الحكم، نتنياهو يتقدم انتخابياً والمعارضة تبحث عن مفاتيح السلطة والكتل العربية تمسك بميزان التفاوض وتقرر مستقبل حكومة إسرائيل.

كتب إسماعيل النجار،

 

إسرائيل أمام معضلة الحكم، نتنياهو يتقدم انتخابياً والمعارضة تبحث عن مفاتيح السلطة والكتل العربية تمسك بميزان التفاوض وتقرر مستقبل حكومة إسرائيل.

 

قرائتي السياسيه حول تعقيدات نتائج الانتخابات الإسرائيلية، واحتمالات تشكيل الحكومة المقبلة، وحدود الدور العربي في رسم الخريطة السياسية لتل أبيب. حيث لم تُنهِ الانتخابات الإسرائيلية التي جرت أول من أمس 27 تشرين الأول الجاري حالة الانقسام السياسي الذي يعيشها الكيان الصهيوني، بل نقلتها إلى مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها الصراع على تأمين الأغلبية البرلمانية، ومَن يمتلك القدرة الفعلية على تحويل النتائج الانتخابية إلى سلطة تنفيذية مستقرة.

ففي مشهد لا يخلو من المفارقات، خرج بنيامين نتنياهو وحزب الليكود باعتبارهما قوة حزبية رئيسية، لكن ذلك لم يمنحهما تفويضاً واضحاً لتشكيل الحكومة، فيما وجدت المعارضة، بقيادة غادي آيزنكوت، نفسها أمام فرصة سياسية لتغيير المعادلة، من دون امتلاك طريق مضمون إلى السلطة. وفي قلب هذا المشهد، برزت الكتل العربية باعتبارها أحد أهم عناصر الحسابات البرلمانية، بعدما أظهرت استطلاعات الخروج احتمال حصولها مجتمعة على نحو 18 إلى 19 مقعداً، قبل أن تكشف عمليات الفرز الأولية أيَّة تقديرات أخرى. وهو ما جعل دورها يتجاوز حدود التمثيل التقليدي إلى موقع قد يؤثر بصورة مباشرة في مصير الحكومة المقبلة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هل تستطيع الأحزاب العربية إسقاط نتنياهو سياسياً، وهل تملك القدرة على فرض شروطها على المعارضة، أم أن الانقسامات الإسرائيلية الداخلية ستعيد إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة؟ فهذه النتائج لا تمنح أحداً مفاتيح الحكم

وتكمن العقدة الأساسية في النظام السياسي الإسرائيلي في أن الانتخابات لا تحسم رئاسة الحكومة بصورة مباشرة، بل تحدد تركيبة الكنيست، الذي يتألف من 120 عضواً، حيث تحتاج الحكومة إلى تأييد 61 نائباً على الأقل لتأمين أغلبية برلمانية.

هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة؛ حجم الحزب الانتخابي، وحجم المعسكر السياسي، والقدرة على جمع أغلبية قابلة للاستمرار. فقد يكون الليكود الحزب الأكبر، لكن نتنياهو لا يستطيع تحويل هذا التفوق وحده إلى حكومة. وفي المقابل، قد تتمكن المعارضة من جمع عدد أكبر من النواب نظرياً، لكنها قد تعجز عن تحويلهم إلى ائتلاف متماسك، بسبب التباينات السياسية والأيديولوجية الكبيرة بين مكوناتها.

حيث أظهرت استطلاعات الخروج، التي نشرتها القنوات الإسرائيلية، تقارباً شديداً بين المعسكرين، مع اختلاف في تقديراتها. فيما أظهرت عمليات الفرز الأولية صباح الأمس تقديرات بلغت حصول معسكر نتنياهو على ما يقارب 55 مقعداً، بينما حصلت المعارضة على 50 مقعداً، و15 للأحزاب العربية، وهي أرقام مرحلية لا يجوز التعامل معها باعتبارها نتائج نهائية.

إستطلاعات أخرى قدّرت حصة القوائم العربية مجتمعة بنحو 18 إلى 19 مقعداً، الأمر الذي يوضح مدى حساسية النتائج الأولية لتغير نسب الفرز وتجاوز العتبة الانتخابية.

وعليه، فإن القراءة السياسية الرصينة تقتضي عدم إعلان فائز نهائي قبل استكمال الفرز وتثبيت النتائج الرسمية.

[نتنياهو الآن يترنح بين التفوق الحزبي وتراجع هامش المناورة ويدخل هذه المرحلة وهو يواجه اختباراً سياسياً يتجاوز عدد المقاعد التي سيحصل عليها حزبه.الرجل الذي راكم تجربة طويلة في إدارة الحكومات الإسرائيلية، يجد نفسه أمام استحقاق مركب تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع ملفات الحرب، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والجدل بشأن القضاء، والتوترات الاجتماعية، والخلاف حول إعفاء قطاعات من اليهود مثل الحريديم من الخدمة العسكرية. كما أن تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبته، إلى جانب الملفات الأمنية والإقليمية، شكلت عناصر أساسية في تقييم الناخب الإسرائيلي لأداء القيادة السياسية. ومن منظور نتنياهو، فإن الاحتفاظ بقيادة الليكود والتقدم على منافسيه حزبياً يمثلان ورقة قوة في المفاوضات، لكنهما لا يكفيان لحسم المعركة.

فهو يحتاج إلى شركاء قادرين على توفير أغلبية برلمانية، من دون أن يضطر إلى تقديم تنازلات قد تضعف تماسك معسكره أو تفجر خلافاته الداخلية. وتزداد الصعوبة عندما يتعلق الأمر بالأحزاب الدينية والقومية اليهودية المتشددة، التي تمتلك مطالبها الخاصة في قضايا الخدمة العسكرية، والإنفاق العام، والاستيطان، والسياسات الأمنية. لذلك فإن مأزق نتنياهو ليس في الوصول إلى المفاوضات، بل في تأمين تركيبة حكومية لا تنهار عند أول اختبار سياسي.

[أما المعارضة أمامها فرصة سياسيه للتغيير تصطدم بحسابات الشراكة، الجناح الذي يتصدره غادي آيزنكوت سياسياً في هذه المعركة، هو يجد نفسه أمام فرصة لتجميع القوى الرافضة لاستمرار نتنياهو، لكنهم ليسوا كتلة متجانسة بالمعنى الكامل والخلافات بينهم أكبر من وحدتهم بوجه الوحش الليكودي. فهذا المعسكر يضم اتجاهات وسطية وليبرالية ويمينية، تتقاطع في الاعتراض على نتنياهو، لكنها قد تختلف حول مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والسياسات الأمنية، والاستيطان، والعلاقة بين الدين والدولة.

ومن هنا، فإن الاتفاق على إنهاء حكم نتنياهو لا يعني بالضرورة الاتفاق على برنامج حكومي مشترك. وتتمثل المعضلة الأبرز في موقف بعض القوى المعارضة التي ترفض تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية أو تمنحها دوراً حاسماً في الحكم.

وهذا الموقف يخلق تناقضاً واضحاً بين الحسابات الانتخابية والحسابات البرلمانية؛ إذ إن المعارضة التي تحتاج إلى أصوات إضافية قد تجد نفسها مضطرة إلى مراجعة تعهداتها، أو البحث عن صيغ أخرى لتتجاوز حاجز الأغلبية.

كما أن أي اتفاق مع أحزاب عربية لن يكون مجرد صفقة أرقام، بل سيتطلب تفاهمات حول قضايا داخلية وأمنية ووطنية شديدة الحساسية. وبذلك، فإن المعارضة تواجه اختباراً مزدوجاً أولهُ قدرتها على جمع الأصوات، وقدرتها على إنتاج مشروع حكم قابل للاستمرار.

[بالنسبة للكُتل العربية فهُم إنتقلوا من التمثيل الانتخابي إلى ورقة التأثير، حيث تكتسب النتائج العربية أهمية خاصة في هذه الانتخابات، ليس فقط بسبب حجم التمثيل المتوقع، بل أيضاً بسبب طبيعة اللحظة السياسية التي جاءت فيها.

فالقائمتان العربيتان، القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة "رعام"، تختلفان في أسلوب العمل السياسي وفي حدود التعاون مع الأحزاب الصهيونية، وإن كانتا تشتركان في تمثيل شرائح واسعة من المواطنين العرب الفلسطينيين داخل إسرائيل. وتتقدم أولويات المجتمع العربي قضايا مكافحة الجريمة المنظمة، وتحسين الخدمات، والتعليم، والإسكان، ومواجهة التمييز العنصري، وتعزيز الميزانيات المخصصة للبلدات العربية. وفي هذا السياق، تتباين المقاربات السياسية بين تيار يميل إلى توسيع التمثيل الوطني والسياسي، وتيار براغماتي يسعى إلى انتزاع مكاسب مباشرة من خلال التفاوض مع القوى القادرة على الحكم.

وقد قدمت تجربة مشاركة القائمة العربية الموحدة في حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد عام 2021 نموذجاً سابقاً لإمكان دخول حزب عربي إلى معادلة الائتلاف الحكومي، وإن كانت تلك التجربة قد أثارت بدورها نقاشات واسعة داخل المجتمع العربي بشأن جدوى المشاركة وحدودها. أما اليوم، فإن حجم التمثيل العربي المحتمل يفتح الباب أمام خيارات متعددة، أبرزها تقديم دعم برلماني لحكومة معارضة، أو التفاوض على اتفاقات سياسية ومالية، أو الامتناع عن دعم أي معسكر إذا لم تتوافر ضمانات مقنعة من الطرفين الصهيونيين.

لكن هناك أمر مهم يجب الانتباه له هو أن امتلاك المقاعد لا يعني امتلاك القدرة المطلقة على فرض الشروط؛ فالقوة التفاوضية تتوقف على وحدة الموقف العربي، وعلى حاجة الأطراف الأخرى إلى تلك الأصوات، وعلى طبيعة التنازلات المتبادلة هذا إذا توحدت كل الكُتل العربية. وإذا انقسمت هذه القوائم في مواقفها، فقد تتراجع قدرتها على استثمار الثقل الانتخابي، حتى لو ارتفع عدد ممثليها في الكنيست.

[هنا يبقى السؤال الأهم هل يدعم العرب نتنياهو؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات موثوقة على اتفاق عربي لدعم عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، بل إن المؤشرات السياسية المتاحة تميل إلى معارضة حكومته. وقد عبّر منصور عباس عن انفتاحه على التواصل مع أطراف سياسية من المعسكرين، في إطار البحث عن إمكانات تشكيل الحكومة، وهو موقف لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره تأييداً لنتنياهو. فثمة فرق جوهري بين التفاوض مع طرف سياسي، والانضمام إلى حكومته، ومنحها دعماً برلمانياً مباشراً. أما من الناحية السياسية، يبدو انضمام الأحزاب العربية إلى ائتلاف نتنياهو مستبعداً في ظل المواقف المعلنة، فضلاً عن رفض نتنياهو نفسه إقامة حكومة تستند إلى دعم الأحزاب العربية.أما احتمال دعم حكومة معارضة، فهو أكثر قابلية للنقاش، لكنه لا يبدو مضموناً بصورة آلية. فالقوائم العربية قد تشترط التزامات واضحة بشأن مكافحة الجريمة، وتخصيص الموارد، ومواجهة التمييز، إلى جانب مواقف تتعلق بالقضية الفلسطينية والحقوق الوطنية والمدنية داخل الكيان بعيداً عن أزمة واشنطن تل أبيب طهران. وفي المقابل، قد تواجه المعارضة ضغوطاً داخلية من قوى ترفض هذا النوع من التعاون، حتى لو كان ضرورياً من الناحية الحسابية. وهنا تظهر المفارقة السياسية التي قد تحتاج فيها المعارضة إلى أصوات المواطنين العرب للوصول إلى السلطة، لكنها قد تتردد في الاعتراف الكامل بدور ممثليهم في تشكيل الحكومة. وهي مفارقة تعكس إشكالية أوسع تتصل بموقع المواطنين العرب في النظام السياسي الإسرائيلي، وبالفجوة بين المشاركة الانتخابية والقدرة الفعلية على التأثير في صناعة القرار. لذلك تتجه الاحتمالات إلى أربعة مسارات رئيسية.

*المسار الأول يتمثل في تشكيل حكومة معارضة بدعم عربي من خارج الائتلاف، وهو خيار قد يتيح تجاوز بعض الحساسيات المرتبطة بالمشاركة الوزارية، لكنه يتطلب اتفاقاً سياسياً واضحاً وضمانات لاستمرار الدعم.

*والمسار الثاني يتمثل في نجاح نتنياهو في استقطاب أطراف أو نواب من خارج تحالفه المعتاد، أو إعادة ترتيب تحالفاته الداخلية، بما يسمح له بتأمين الأغلبية.

*أما المسار الثالث، فيتمثل في تعثر المفاوضات واستمرار حكومة تصريف الأعمال، وهو احتمال يحمل معه حالة من عدم اليقين السياسي، خصوصاً إذا امتدت الخلافات حول هوية الحكومة المقبلة وبرنامجها.

والمسار الرابع هو الذهاب إلى انتخابات جديدة، إذا تعذر تشكيل ائتلاف مستقر، وهو احتمال لا يمكن استبعاده، خصوصاً أن إسرائيل عاشت خلال الفترة بين 2019 و2022 سلسلة من الانتخابات المتكررة نتيجة الانقسامات البرلمانية.

وفي جميع هذه السيناريوهات، ستبقى مسألة التكليف بتشكيل الحكومة مرتبطة بالإجراءات الدستورية، ومشاورات الرئيس إسحاق هرتسوغ مع ممثلي القوائم، وتقديره لمن يمتلك الفرصة الأفضل لتأليف حكومة.

وبحسب المسار الإجرائي المعمول به، يمكن أن تصل المهلة الممنوحة للمكلف إلى 42 يوماً، وفق شروط وإجراءات التكليف وتمديده.

يبقى البعد الإقليمي وما الذي سيتغير إذا تغيرت الحكومة؟ هنا لا يمكن قراءة نتائج الانتخابات هذه بمعزل عن المحيط الإقليمي، لكن من الخطأ أيضاً افتراض أن تغيير رئيس الحكومة سيؤدي تلقائياً إلى تحول جذري في السياسة الخارجية والأمنية الإسرائيلية المرتبطه بالإقليم. فالقضايا المرتبطة بإيران، ولبنان، وغزة، والضفة الغربية، والعلاقة مع واشنطن، ستظل حاضرة بقوة في أي حكومة مقبلة. وقد تختلف أساليب الإدارة السياسية والأولويات بين حكومة وأخرى، لكن كثيراً من الملفات الأمنية والاستراتيجية تتجاوز الأشخاص والأحزاب. ومن منظور إقليمي، فإن استمرار الأزمة السياسية قد يؤثر في سرعة اتخاذ القرارات، وفي طبيعة الرسائل المتبادلة مع الأطراف الأخرى، لكنه لا يشكل بحد ذاته دليلاً على تراجع المخاطر العسكرية أو تغير موازين الردع. كما أن وصول حكومة جديدة لا يعني بالضرورة التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين أو تخفيف التوتر مع لبنان، لأن ذلك يتوقف على البرنامج السياسي للحكومة، وعلى مواقف الأطراف المعنية، وعلى الظروف الميدانية والدولية. في النهاية المعركة الحقيقية تبدأ بعد الإنتهاء من فرز صناديق الاقتراع التي ستكشف أن الانتخابات الإسرائيلية خلقت أزمة للحكم باتت أعمق من مجرد تنافس بين نتنياهو وخصومه، وأن بنية التحالفات السياسية أصبحت عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل السلطة. فنتنياهو قد يحتفظ بتفوق حزبي، لكنه يحتاج إلى شركاء. والمعارضة قد تمتلك فرصة التغيير، لكنها تحتاج إلى تجاوز خلافاتها. أما الكتل العربية، فقد تحصل على موقع تفاوضي أكثر أهمية، من دون أن تضمن أن يتحول هذا الموقع إلى نفوذ فعلي في صناعة القرار. والنتيجة الأكثر وضوحاً أن إسرائيل تدخل مرحلة مفاوضات شاقة، تتداخل فيها الحسابات البرلمانية مع الاعتبارات الأمنية والاجتماعية والأيديولوجية. وإذا نجحت الأحزاب العربية في توحيد موقفها وتحويل أصوات ناخبيها إلى اتفاقات سياسية ملموسة، فقد تصبح أحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة. أما إذا بقيت القوى الإسرائيلية أسيرة خطوطها الحمراء، فقد تتحول الأغلبية الحسابية إلى أغلبية مستحيلة، وتعود البلاد إلى دائرة الانسداد السياسي.

*في نهاية المطاف، لن يكون الامتحان الحقيقي لهذه الانتخابات هو مَن أعلن النصر في ليلة الاقتراع، بل مَن يستطيع بناء حكومة، وبأي ثمن سياسي، وعلى أي برنامج، ولصالح أي رؤية لمستقبل الكيان والمنطقة.

بيروت في،،، 29/10/2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي