كتاب واراء

لبنان في قلب التحولات الإقليمية والدولية

 

 

الاجتماع الرباعي في طهران…

 رسالة من الدولة الأمريكية العميقة إلى الإدارة الأمريكية وقادة الكيان الإسرائيلي

 

من الحرب على جنوب لبنان إلى تفاهمات الأمن الإقليمي:

 

【 السيادة اللبنانية مدخل لاستقرار الشرق الأوسط】

 

___كتب/

سعيد فارس السعيد

     ٢٨/ ١٠/ ٢٠٢٦

بظل نتائج الانتخابات الاسرائيلية وعدم حسمها لصالح نتنياهو وحلفائه ...

 

وبظل ما قد ينتج عن الانتخابات الامربكية النصفية مابين الحزب الجمهوري والديمقراطي على مستوى مجلس الشيوخ والكونغرس ومجلس النواب ..

 

أولاً: لبنان ليس هامشاً في معادلة المنطقة، بل في قلبها

 

فلا يمكن قراءة التحولات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط من دون وضع لبنان في صلب المشهد، لا باعتباره ساحة تتأثر بما تقرره القوى الإقليمية والدولية فحسب، بل باعتباره دولة ذات سيادة، وبلداً تتقاطع على أرضه حسابات الأمن والحرب والتوازنات السياسية.

 

فالحرب المستمرة في جنوب لبنان، والاعتداءات الإسرائيلية، واحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية، وما يرافق ذلك من تهديد لحياة المدنيين وأمنهم واستقرارهم، ليست مجرد أحداث محلية منفصلة عن محيطها.

 

 إنها جزء من معادلة إقليمية أوسع، تتداخل فيها المواجهة بين إسرائيل وإيران، والحسابات الأمريكية، ومستقبل العلاقات بين دول المنطقة.

 

لكن وضع لبنان في قلب التحليل لا يعني اختزال لبنان في علاقات الآخرين أو في حساباتهم. 

 

فلبنان ليس مجرد ورقة في يد إيران، ولا ينبغي أن يكون ورقة في يد الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أي دولة أخرى.

 

 إنه وطن له شعبه ومؤسساته وسيادته ومصالحه الوطنية، ومن حقه أن يعيش بأمن واستقرار، بعيداً عن الاحتلال والاعتداءات وتحويل أرضه إلى ساحة دائمة للصراعات.

 

ومن هنا، فإن أي بحث جدي في مستقبل الأمن الإقليمي يجب أن يبدأ من سؤال واضح: 

_______كيف يمكن بناء استقرار في الشرق الأوسط بينما تستمر الاعتداءات على لبنان، وتبقى سيادته وأراضيه عرضة للانتهاك؟

 

إن وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية المحتلة، واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، ليست مطالب هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التفاهمات الكبرى، بل هي من الشروط الأساسية لأي استقرار حقيقي ومستدام.

 

ثانياً: 

جنوب لبنان واختبار جدية التفاهمات الدولية

 

يشكل جنوب لبنان اختباراً عملياً لمدى جدية القوى الدولية والإقليمية في الانتقال من إدارة الحروب إلى إنهائها.

فلا يكفي الحديث عن التهدئة والاستقرار بينما تستمر الاعتداءات والتهديدات، ولا يمكن بناء الثقة بين دول المنطقة في ظل استمرار انتهاك سيادة دولة من دولها. كما لا يمكن فصل أمن المدنيين اللبنانيين عن أي نقاش يتناول أمن المنطقة ومستقبلها.

إن حماية لبنان تتطلب موقفاً واضحاً من الاحتلال والاعتداءات، ودعماً فعلياً لسيادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، والعمل على منع تجدد الحرب. وتتطلب كذلك حواراً وطنياً لبنانياً مسؤولاً يعزز وحدة البلاد، ويضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية والخارجية.

ولا ينبغي أن تتحول معاناة اللبنانيين إلى تفصيل في المفاوضات الدولية، أو أن يُترك مصير الجنوب اللبناني رهينة التفاهمات بين قوى لا تتحمل وحدها نتائج الحرب.

إن لبنان يحتاج إلى ضمانات عملية تحمي أرضه وشعبه، وإلى بيئة إقليمية تساعده على استعادة الاستقرار، وإلى قرار وطني مستقل يعبّر عن مصالح اللبنانيين ويصون سيادة دولتهم.

 

ثالثاً: 

لبنان وإيران — تداخل الملفات وضرورة احترام السيادة

 

ترتبط الأزمة اللبنانية بتشابكات إقليمية، من بينها المواجهة بين إسرائيل وإيران، وما لهذه المواجهة من انعكاسات على أمن لبنان والمنطقة.

وقد شهدت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى حروباً ومواجهات وتوترات ذات أبعاد استراتيجية، كما تتداخل الحسابات الإقليمية في ملفات أخرى، من بينها اليمن والعلاقات بين اليمن والسعودية والإمارات.

وفي تقديري، لا يمكن فهم المشهد الإقليمي بمعزل عن موقع إيران ودورها ومصالحها الأمنية. فإيران تسعى إلى حماية أمنها القومي ومصالحها، وتريد أن تُعامل مصالحها على قدم المساواة مع مصالح الدول الأخرى، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي تفرض على دول المنطقة خياراتها أو تتحكم بقراراتها.

ومن حق إيران، كما من حق سائر دول المنطقة، أن تسعى إلى حماية أمنها ومصالحها المشروعة. لكن استقرار المنطقة يتطلب أن يقترن هذا الحق باحترام سيادة الدول الأخرى، وألا تتحول مصالح أي دولة إلى مبرر للتدخل في شؤون دولة أخرى أو تقرير مستقبلها نيابة عن شعبها.

وهنا تبرز أهمية لبنان: فالمطلوب أن يكون لبنان شريكاً في تقرير مستقبله، لا ساحة لتصفية الحسابات بين إيران وإسرائيل، ولا مساحة تتنافس فيها القوى الدولية والإقليمية على النفوذ على حساب اللبنانيين.

إن العلاقة بين الملفات الإقليمية لا ينبغي أن تكون سبباً لتهميش لبنان، بل دافعاً إلى تضمين أمنه وسيادته في أي تفاهم يسعى إلى تخفيف التوترات وإنهاء الحروب.

 

رابعاً: 

الاجتماع الرباعي في طهران — 

 

إن رأيي الشخصي في رسالته السياسية،

أرى أن الاجتماع الرباعي في طهران، الذي يجمع إيران والسعودية وتركيا وباكستان، يحمل رسالة تتجاوز حدود الدول المشاركة فيه، وتمتد إلى الإدارة الأمريكية، وقادة الكيان الإسرائيلي، وشعوب المنطقة.

 

وفي قراءتي الشخصية، فإن

 

 【الاجتماع الرباعي في طهران هو رسالة من الدولة الأمريكية العميقة إلى الإدارة الأمريكية، وإلى شعوب المنطقة، وإلى قادة الكيان الإسرائيلي في آن واحد.】

 

أقرأ هذا الاجتماع في سياق الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، وإدراك أن استمرار الحروب لا يضمن تحقيق الاستقرار، وأن تجاهل مصالح الدول الإقليمية لا يؤدي إلى إلغاء دورها أو تجاوز تأثيرها.

 

_______فالرسالة، وفق تحليلي، تتمثل في أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على القوة العسكرية وحدها، ولا على فرض الإرادات، ولا على التعامل مع أمن إسرائيل باعتباره المعيار الوحيد للأمن الإقليمي.

 

أما بالنسبة إلى لبنان، فتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة. فإذا كانت هناك إرادة إقليمية ودولية لتخفيف التوترات، فلا بد أن يظهر ذلك في وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، واحترام سيادته، وعدم إبقائه رهينة المواجهة الأوسع بين إسرائيل وإيران.

 

إن قيمة أي تفاهم لا تُقاس فقط بما يعلنه المشاركون فيه، بل بقدرته على إحداث تغيير ملموس في حياة الشعوب، وحماية الدول من الحرب، ومنع تكرار الاعتداءات، وإيجاد حلول سياسية للنزاعات.

 

ومن هنا، أرى أن الاجتماع يحمل رسالة مفادها أن الأمن الإقليمي يحتاج إلى تفاهم بين دول المنطقة، وأن تجاهل إيران أو استبعاد مصالحها لا يوفر استقراراً دائماً، كما أن تجاهل سيادة لبنان وحقوق شعبه لا يمكن أن يكون أساساً لتسوية إقليمية ناجحة.

 

خامساً: 

اليمن والسعودية والإمارات — دروس الصراع الإقليمي.

 

لا يقتصر تداخل ملفات الأمن الإقليمي على لبنان وإيران، بل يشمل أيضاً الحرب في اليمن، وما ارتبط بها من صراعات داخلية وتدخلات إقليمية وتباينات في حسابات الأطراف المعنية، بما في ذلك العلاقات بين اليمن والسعودية والإمارات.

لقد أظهرت سنوات الحرب أن استمرار الصراع يفاقم المعاناة الإنسانية، ويستنزف الموارد، ويخلق بيئة من عدم الاستقرار تتجاوز حدود الدولة التي تشهد الحرب.

ومن هنا، فإن معالجة الملف اليمني تتطلب تسوية سياسية تحمي الشعب اليمني، وتصون وحدة البلاد ومؤسساتها، وتراعي المخاوف الأمنية المشروعة لدول الجوار، وتمنع استخدام اليمن ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

وفي تقديري، فإن الحوار بين إيران والسعودية والإمارات وسائر الأطراف المعنية يمكن أن يساعد في تهيئة الظروف اللازمة لتسويات أكثر استدامة، شرط أن تكون مصالح الشعوب وسيادة الدول في صلب أي تفاهم.

والدرس الذي ينبغي استخلاصه من اليمن ولبنان معاً هو أن استمرار الحروب لا يضمن حلاً دائماً، وأن الأمن المشترك يحتاج إلى معالجة أسباب الصراع، لا الاكتفاء بإدارة نتائجه.

 

سادساً: 

الولايات المتحدة وإسرائيل — حدود القوة ومصالح الاستقرار.

 

تتأثر السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بمصالح استراتيجية ومؤسسات متعددة، إلى جانب حسابات الإدارة القائمة والتحالفات الدولية والضغوط السياسية الداخلية.

وقد تتباين تقديرات مراكز القرار بشأن كلفة الحروب ومخاطر اتساعها، ولا سيما عندما تتشابك ملفات إيران وإسرائيل ولبنان واليمن، وتتأثر بها مصالح دول عديدة.

وفي هذا السياق، فإن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تظل عاملاً أساسياً في تحديد مسارات عدد من أزمات المنطقة، لكن هذه العلاقة لا تلغي وجود مصالح أمريكية أوسع تتصل بالاستقرار الإقليمي، وتجنب الحروب الطويلة، وحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.

أما إسرائيل، فلا يمكنها أن تضمن أمنها بصورة دائمة من خلال القوة العسكرية وحدها، أو عبر إبقاء جبهات المنطقة مفتوحة على المواجهة. فالأمن المستدام يحتاج إلى معالجة أسباب الصراع، واحترام حقوق الشعوب، وإنهاء الاحتلال والاعتداءات، والوصول إلى حلول سياسية قابلة للاستمرار.

وبالنسبة إلى لبنان، فإن المعيار العملي لأي تحول في السياسة الأمريكية أو في حسابات القيادة الإسرائيلية هو ما إذا كان سيؤدي إلى وقف الاعتداءات، وإنهاء الاحتلال، واحترام السيادة اللبنانية، وفتح الطريق أمام استقرار حقيقي في الجنوب.

 

سابعاً: 

أمن المنطقة مسؤولية دولها — ولبنان جزء أساسي من هذه المسؤولية.

 

إن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم مستقبل الشرق الأوسط هو أن أمن المنطقة مسؤولية دولها بالدرجة الأولى، وأن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إذا احتكرت القوى الخارجية القرار أو فُرضت على دول المنطقة ترتيبات تتجاهل مصالح شعوبها.

وهذا المبدأ لا يستهدف دولة بعينها، ولا يمنح دولة إقليمية حق الهيمنة على الآخرين. بل يقوم على المساواة في السيادة، واحترام المصالح المشروعة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض استخدام القوة لفرض الإرادات.

ومن هذا المنطلق، فإن لإيران حقاً في حماية أمنها القومي ومصالحها، كما للسعودية والإمارات وتركيا وباكستان وسائر دول المنطقة الحق نفسه. لكن هذه الحقوق لا تكتمل إلا باحترام سيادة الدول الأخرى وحق شعوبها في تقرير مستقبلها.

ولبنان يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من هذه المعادلة، لا ملفاً يُترك إلى نهاية المفاوضات. فأمنه ليس مسألة ثانوية، وسيادته ليست بنداً قابلاً للمساومة، وحق شعبه في الحياة الآمنة ليس تفصيلاً في حسابات القوى الإقليمية والدولية.

إن أي تفاهم إقليمي جاد يجب أن يضع وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة في صلب مسار الاستقرار، إلى جانب معالجة ملفات اليمن والتوترات المرتبطة بإيران، ودعم الحلول السياسية العادلة للنزاعات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

ولا بد أن تقوم هذه التفاهمات على الحوار والتزامات واضحة واحترام متبادل، بما يمنع العودة إلى الحرب، ويعزز قدرة دول المنطقة على إدارة خلافاتها بنفسها.

 

خاتمة القول : 

لبنان مدخل إلى الاستقرار لا ساحة للصراعات

إن وضع لبنان في قلب التحليل الإقليمي يعني الاعتراف بأن أمنه وسيادته جزء لا يتجزأ من أمن الشرق الأوسط، 

 

وأن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على جنوبه لا يمكن فصله عن التوترات الأوسع التي تشهدها المنطقة.

 

وفي رأيي الشخصي، يحمل الاجتماع الرباعي في طهران رسالة من الدولة الأمريكية العميقة إلى الإدارة الأمريكية وقادة الكيان الإسرائيلي وشعوب المنطقة، مفادها أن استمرار الحروب لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن التفاهم، وأن أمن الشرق الأوسط لا يُبنى على إخضاع الشعوب أو انتهاك سيادة الدول، بل على التوازن والاحترام المتبادل والحلول السياسية.

 

إن إيران تريد الحفاظ على مصالحها وأمنها القومي، كما تريد مساواة مصالحها بمصالح الآخرين بعيداً عن التدخلات الخارجية. 

 

وهذا المبدأ ينبغي أن يشمل جميع دول المنطقة، من دون استثناء أو تمييز، وأن يقترن باحترام سيادة كل دولة وحقوق شعوبها.

 

لكن الاختبار الحقيقي لهذا التوجه يبدأ من الملفات المشتعلة: من لبنان الذي يحتاج إلى وقف الاعتداءات والانسحاب من أراضيه المحتلة، إلى اليمن الذي يحتاج إلى تسوية تحمي شعبه ووحدته، وصولاً إلى بناء علاقات إقليمية تقوم على التعاون بدلاً من المواجهة.

لبنان ليس هامشاً في معادلة الشرق الأوسط، بل أحد المعايير الأساسية لصدق أي حديث عن الأمن والاستقرار. فلا استقرار دائماً مع استمرار الاحتلال والاعتداءات، ولا تفاهم إقليمياً ناجحاً إذا بقيت سيادة لبنان وحقوق شعبه خارج حسابات الأطراف المعنية.

إن الطريق إلى شرق أوسط أكثر استقراراً يبدأ من احترام سيادة دوله، 

وإنهاء الاعتداءات والحروب، والاعتراف بالمصالح المشروعة للجميع، 

 

ورفض التدخلات الخارجية التي تنتزع من الشعوب حقها في تقرير مصيرها.

 

فأمن المنطقة مسؤولية دولها أولا ، ولبنان يجب أن يكون محوراً في أي مشروع جاد للاستقرار في المنطقة لا ساحة حرب لاحلام المتشددين في اسرائيل وورقة ضغط لصراعات ونفوذ الآخرين .

 

سعيد فارس السعيد

كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام

28 تشرين الأول/أكتوبر 2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي