كتاب واراء

من الإمام موسى الصدر إلى العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب. رسالة وطنية وإنسانية تتجاوز الطوائف

 

 

كتب/ سعيد فارس السعيد:

 

 

 

في مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في الحازمية، استقبل نائب رئيس المجلس، العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب، وفداً من مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي برئاسة الدكتور بشارة الأسمر، في لقاء تجاوز في دلالاته حدود المناسبة الإدارية، ليطرح مجدداً أسئلة جوهرية تتصل بمستقبل لبنان، ومعنى المواطنة، ودور الدين في بناء المجتمع، والعلاقة بين الهوية الطائفية والانتماء الوطني.

وفي حديثه خلال اللقاء، استحضر العلامة الخطيب تجربة الإمام السيد موسى الصدر، مؤكداً أن الإمام بذل جهوداً مضنية من أجل بناء وطن، ومشدداً على أن مهمة الدين هي نشر المحبة بين الناس، وأن التعصب والتحريض لا ينسجمان مع رسالة الدين.

كما قال بوضوح:

«طالما النظام الطائفي قائم فلن يصلح أمر البلد».

وأكد أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، كما أراده الإمام الصدر.

وتفتح هذه المواقف الباب أمام قراءة أعمق للعلاقة بين فكر الإمام موسى الصدر وخطاب العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب؛ فالمسألة لا تتعلق باستحضار اسم الإمام في مناسبة، بل باستمرار مشروعه الوطني والإنساني في الدعوة إلى المواطنة والشراكة، ورفض التعصب، وحماية وحدة المجتمع اللبناني.

الإمام موسى الصدر… من الدفاع عن الطائفة إلى بناء الوطن

لم ينظر الإمام موسى الصدر إلى مسؤولياته الدينية والاجتماعية باعتبارها محصورة في حدود الطائفة الشيعية، رغم اهتمامه الكبير بأوضاع أبنائها وحقوقهم ومعاناتهم الاجتماعية والاقتصادية.

لقد انطلق من واقع التهميش والحرمان الذي عانى منه كثيرون، ولا سيما في الجنوب والمناطق المحرومة، ليطالب بالعدالة الاجتماعية، وبمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، وبحق الإنسان في الكرامة والتعليم والعمل والرعاية.

لكنه لم يجعل الدفاع عن حقوق الشيعة مشروعاً منفصلاً عن حقوق بقية اللبنانيين، بل ربطه بمشروع وطني أوسع، يقوم على المشاركة والتعاون بين المسلمين والمسيحيين، وعلى اعتبار التنوع اللبناني مصدر غنى متى حُمي بالحوار والعدالة والمساواة.

ومن أبرز التعبيرات عن هذه الرؤية تأكيده أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وهي عبارة تختصر رفض تحويل الانتماءات الدينية إلى حدود تفصل المواطنين، أو جعل مستقبل البلاد رهينة الصراعات بين الطوائف.

لقد أدرك الإمام الصدر أن الجماعات التي تشعر بالحرمان تحتاج إلى الإنصاف والمشاركة، وأن الدولة العادلة هي الضمانة لجميع مكوناتها. ولذلك ارتبط مشروعه الاجتماعي والسياسي بالدعوة إلى إصلاح المؤسسات، وتعزيز التضامن، ومقاومة الفتنة، وبناء جسور التواصل بين اللبنانيين.

ولم تكن الوحدة الوطنية لديه شعاراً نظرياً؛ فقد سعى إلى الحوار مع القيادات الدينية والسياسية من مختلف المكونات، وعمل على بناء مؤسسات اجتماعية وتربوية، واتخذ مواقف تدعو إلى وقف الاقتتال وحماية السلم الأهلي.

وهذه التجربة تمنح استحضار اسمه اليوم أهمية خاصة، لأن لبنان لا يزال يواجه أسئلة الحرمان والعدالة الاجتماعية والطائفية، وهي قضايا تتطلب رؤية وطنية تتجاوز المصالح الفئوية وتعيد الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتها.

العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب… استحضار الرسالة وتجديد معانيها

في مواقف العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب، كما عبّر عنها خلال لقائه الأخير في الحازمية، تبرز مبادئ تتقاطع مع مرتكزات المشروع الوطني للإمام موسى الصدر.

فحين يؤكد أن مهمة الدين هي نشر المحبة بين الناس، وأن التعصب لا ينسجم مع رسالة الدين، فإنه يجدد التأكيد على أن الدين قوة أخلاقية جامعة، لا أداة لإثارة العداوات أو تأجيج النزاعات.

وحين يشدد على أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، فإنه يستحضر جوهر رؤية الإمام الصدر إلى الدولة والمجتمع، ويؤكد أن الانتماء الوطني لا يكتمل إلا بالشراكة والعدالة وصون كرامة المواطنين.

فلا وطن حقيقياً إذا شعر بعض أبنائه بأنهم غرباء فيه، ولا شراكة وطنية متكافئة إذا تحولت الحقوق إلى امتيازات مرتبطة بالانتماء الطائفي أو النفوذ السياسي.

أما موقفه من استمرار النظام الطائفي، فيضع النقاش أمام واحدة من أعقد المعضلات اللبنانية. فالمشكلة ليست في تعدد الطوائف أو في حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، بل في تحويل الطائفية إلى قاعدة لتوزيع السلطة والمصالح، وفي استثمار المخاوف والهويات لتكريس الانقسام وإضعاف الدولة.

وهنا يلتقي موقف الشيخ الخطيب مع الاتجاه الإصلاحي في فكر الإمام الصدر: حماية التنوع لا تعني تكريس الانعزال، والدفاع عن الحقوق لا يعني بناء جدران بين اللبنانيين، والانتماء إلى طائفة لا ينبغي أن يحجب الانتماء الأوسع إلى الوطن.

إن أهمية هذا التقاطع تكمن في الدور الذي تستطيع المؤسسات الدينية أن تؤديه في ترسيخ ثقافة المواطنة، حين تجعل كرامة الإنسان والعدالة والمحبة والشراكة منطلقاً لخطابها وممارساتها.

فالاستمرار الفكري بين الإمام موسى الصدر والعلامة المفكر الشيخ علي الخطيب لا يتوقف عند التشابه في العبارات أو استحضار المواقف التاريخية، بل يتجلى في المعاني التي تحملها هذه المواقف وفي كيفية ترجمتها إلى واقع لبنان اليوم.

فالإمام الصدر واجه الحرمان بالدعوة إلى الإنصاف وبناء المؤسسات، وواجه الانقسام بالعمل من أجل الحوار والوحدة، وربط الدفاع عن حقوق أبناء طائفته بمشروع وطني أوسع.

والعلامة الخطيب يعيد اليوم طرح قضايا المحبة ونبذ التعصب والوطن النهائي لجميع أبنائه، ويضع استمرار النظام الطائفي موضع المساءلة، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى مراجعة أسباب أزماته السياسية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن استمرار الرسالة لا يُقاس بمجرد تكرار اسم الإمام أو الاستشهاد بأقواله، بل بمدى تحويل المبادئ التي نادى بها إلى مواقف ومبادرات ومؤسسات تخدم اللبنانيين جميعاً.

فالوفاء لفكر الإمام الصدر يتجسد في سياسات اجتماعية تحمي الفئات الفقيرة، وحوار فعلي بين المكونات، والتزام بالقانون والمؤسسات والمحاسبة، ومواجهة التعصب في جميع أشكاله، وعدم استخدام الدين لتبرير الكراهية أو المصالح السياسية لتكريس الانقسام.

الجنوب والشيعة ولبنان… حقوق لا تتعارض مع الوحدة الوطنية

في اللقاء نفسه، انتقد العلامة الخطيب أسلوب التعامل مع الجنوب والطائفة الشيعية، وأعرب عن أسفه لغياب خطاب وطني للدفاع عن لبنان خلال العدوان الذي أشار إليه.

وتكتسب هذه الإشارة أهمية في ضوء تجربة الإمام الصدر، الذي جعل الدفاع عن الجنوب وأهله جزءاً من مسؤوليته الوطنية، ولم يفصل بين كرامة سكانه وحق لبنان في حماية أرضه وسيادته.

إن الدفاع عن الجنوب لا يُختزل في موقف طائفي، كما أن التضامن مع أبناء الطائفة الشيعية لا يجوز أن يُفهم على أنه مواجهة لبقية اللبنانيين. فالجنوب جزء أصيل من لبنان، وكرامة أهله وأمنهم وحقوقهم مسؤولية وطنية مشتركة.

ومن مقتضيات الوحدة الوطنية أن يشعر أبناء الجنوب بأن معاناتهم تحظى باهتمام جميع اللبنانيين، وأن يشعر أبناء سائر المناطق بأن حقوقهم وكرامتهم تحظى بالحماية نفسها.

ولا تتحقق هذه الغاية بإنكار الأزمات أو تجاهل المظالم، بل بالاعتراف بها والعمل على معالجتها وفق مبادئ العدالة والمساواة، وبخطاب وطني يرفض تحويل الألم إلى أداة للانقسام.

وهنا تبرز قيمة الرؤية التي تربط حماية الجماعة بحماية الوطن: فلا يجوز مطالبة أي مكوّن بالتخلي عن حقوقه باسم الوحدة، كما لا يجوز استخدام الحقوق لتبرير الانعزال عن الشركاء في الوطن.

إن حماية الجنوب، وصون حقوق أبنائه، وتعزيز حضورهم في الدولة، قضايا وطنية تتكامل مع حماية سائر المناطق اللبنانية ومكوناتها، ولا تتعارض معها. فالدولة العادلة هي التي تمنح جميع مواطنيها الشعور بالأمان والانتماء والمساواة.

المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى… مؤسسة في خدمة الشراكة الوطنية

يحمل موقع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي تأسس في عهد الإمام موسى الصدر، دلالة تتجاوز تمثيل فئة دينية، إذ يرتبط تاريخه أيضاً بقضايا المشاركة الاجتماعية والسياسية، والدفاع عن الحقوق، والحوار بين المكونات اللبنانية.

وفي هذا السياق، تكتسب المواقف الوطنية التي يؤكدها العلامة الشيخ علي الخطيب أهمية خاصة؛ فالمؤسسة الدينية تستطيع أن تعزز دورها الوطني بقدر انفتاحها على المجتمع، وتمسكها بالحوار، ودفاعها عن حقوق المواطنين، وإسهامها في حماية الاستقرار والوحدة.

وقد أكد الدكتور بشارة الأسمر، بعد اللقاء، أن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مؤسسة جامعة تقدم خدماتها لمختلف فئات الشعب اللبناني، رابطاً بين الحالة الوطنية الجامعة التي امتدت من الإمام موسى الصدر إلى العلامة الشيخ علي الخطيب.

وهذا الربط يفتح مجالاً للتكامل بين الرسالة الروحية والمسؤولية الاجتماعية.

فكما أن المحبة ترفض التمييز بين الناس، فإن الضمان الاجتماعي يفترض أن يحمي حقوق المضمونين وفق القانون، بعيداً عن المحسوبية والانتماءات الفئوية.

إن المؤسسات الوطنية والدينية، على اختلاف طبيعة مسؤولياتها، تستطيع أن تلتقي حول هدف واحد: حماية الإنسان، وصون كرامته، وتوفير شروط الحياة الكريمة له، وتعزيز ثقته بالدولة والمجتمع.

ومن هنا، فإن اللقاء بين المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ومجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يتيح التأكيد على أهمية التكامل بين الخطاب الوطني والممارسة المؤسسية، بحيث تتحول مبادئ العدالة والتضامن إلى حماية فعلية للحقوق الاجتماعية والاقتصادية لجميع اللبنانيين.

من إرث الإمام الصدر إلى مسؤولية الحاضر

إن لبنان اليوم في حاجة إلى استعادة المعاني العملية في تجربة الإمام موسى الصدر، وإلى تحويل الدعوات إلى المحبة والوحدة الوطنية التي يؤكدها العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب إلى خطوات ملموسة.

وفي هذا الإطار، يؤكد العلامة المفكر أهمية ترسيخ الحوار والتفاهم، وإعادة الاعتبار إلى المواطنة، وفتح المجال أمام إصلاح سياسي واجتماعي يعزز استقلال المؤسسات، ويحقق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، ويواجه الفساد وخطاب الكراهية والتحريض.

كما أن القيادات الدينية والسياسية والإعلامية معنية بتعزيز الثقة بين اللبنانيين، والابتعاد عن كل خطاب يجعل الخوف من الآخر وسيلة لاستمرار النفوذ أو تعطيل الإصلاح.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن توسيع مظلة الضمان الصحي والاجتماعي، وحماية الفئات الأكثر حاجة، وتطوير الخدمات العامة، تمثل خطوات عملية نحو المواطنة المتساوية التي دعا إليها الإمام الصدر، وتتقاطع مع تأكيد العلامة الخطيب أن المؤسسات الوطنية ينبغي أن تخدم جميع اللبنانيين.

فالبلد لا يُبنى بالمواعظ وحدها، ولا بالإصلاحات الإدارية وحدها، بل يحتاج إلى ثقافة أخلاقية تحترم الإنسان، ونظام سياسي عادل، ومؤسسات فاعلة، وشراكة حقيقية تجعل المواطن شريكاً في الحقوق والمسؤوليات.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية حوار وطني مسؤول حول مستقبل النظام السياسي، بما يعزز الدولة ومؤسساتها، ويحفظ الحريات والتنوع الديني والثقافي، ويفتح الطريق أمام تطوير الحياة السياسية على قاعدة المواطنة والعدالة والمساواة.

خلاصة القول: رسالة واحدة تتجدد في مواجهة الانقسام

إن استحضار الإمام موسى الصدر في مواقف العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب يذكّر بأن المسؤولية الدينية لا تنفصل عن المسؤولية الإنسانية والوطنية، وأن الدفاع عن حقوق الطائفة يكتمل في إطار الدفاع عن حقوق جميع اللبنانيين.

فالإمام الصدر جعل من العدالة الاجتماعية والحوار والوحدة الوطنية ركائز في مشروعه، فيما يؤكد الشيخ الخطيب، في مواقفه الأخيرة، المحبة ونبذ التعصب وضرورة تجاوز النظام الطائفي الذي يعيق إصلاح البلد.

وبين التجربتين تبرز رسالة أساسية: لا يمكن حماية التنوع اللبناني إلا بالمواطنة، ولا يمكن صون حقوق المكونات إلا بدولة عادلة، ولا يستطيع الدين أداء رسالته الإنسانية حين يُستخدم أداة لإثارة الانقسام والكراهية.

إن الوفاء للإمام موسى الصدر لا يكون باستعادة أقواله وحدها، بل بالعمل على تحقيق وطن نهائي لجميع أبنائه؛ وطن يحترم أديانه وطوائفه، لكنه لا يسمح بتحويلها إلى حواجز تمنع الشراكة أو تنتقص من الحقوق.

وهذه هي القيمة التي يؤكدها العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب في مواقفه: أن يكون الإيمان منطلقاً للمحبة، وأن يكون الاختلاف باباً للحوار، وأن تكون حماية الحقوق طريقاً إلى الوحدة، وأن يبقى الإنسان وكرامته في قلب كل مشروع وطني.

فمشروع الإمام موسى الصدر لم يكن أن تنتصر طائفة على أخرى، بل أن ينتصر لبنان على الحرمان والانقسام، وأن تتكامل مكوناته في بناء دولة عادلة تحمي الجميع.

وهذه الرسالة يؤكدها العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب، لتبقى مسؤولية وطنية وإنسانية مشتركة، لا تخص طائفة دون أخرى، بل تعني كل من يؤمن بلبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه.

 

 

سعيد فارس السعيد

كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام

27 تشرين الأول/أكتوبر 2026


تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

المقالات الأكثر زيارة

إعــــلان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

يسرّ مدرسة الإمام الخالصي دعوتكم لحضور الندوة الحواريّة الثقافية السياسية التي ستُقام بعد صلاتي المغرب والعشاء مباشرةً من يوم غد الأربعاء بمشيئة الله تعالى.

 بعنوان: "أحلام السعودية ويقظة اليمن .. بحث وتحليل"

يلقيها : الشيخ الدكتور قاسم الكعبي