لم يكن مشهد الوفود العربية، وعلى رأسها السعودية، وهي تدخل طهران تحت عنوان (أتفاق مكة والتهدئة في المنطقة) ، مشهداً بروتوكولياً عادياً. كان إعلاناً سياسياً مدوياً عن نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى.
مرحلة كان يقال فيها إن إيران معزولة ومحاصرة، ومرحلة جديدة تقول بوضوح، لا تهدئة في الشرق الأوسط دون المرور من طهران.
أن تختار الرياض وباقي العواصم هذا التوقيت بالذات للذهاب إلى إيران، قبل ساعات من الأنتخابات في الكيان الغاصب، فهذه ليست صدفة. هذه رسالة مباشرة بوجه نتنياهو.
نتنياهو عاش طوال مسيرته السياسية على بضاعة واحدة، تخويف الإسرائيليين. كان يقول لهم، المنطقة تحترق، إيران على الأبواب، أنا الوحيد القادر على حمايتكم، صوّتوا لي لأستمر في القتل والحرب ضماناً لأمنكم.
فماذا فعلت زيارة الوفد السعودي العربي لطهران؟ نسفت هذه البضاعة من أساسها.
جاءت لتقول للإسرائيلي، العرب الذين كنت تهددهم بإيران، ذهبوا بأنفسهم للجلوس معها والأتفاق معها. فأين هو خطر الحرب الذي تبيعه لنا؟ أين هي العزلة التي وعدتنا بها لإيران؟
لقد أتى اللقاء بما لا تشتهي سفن نتنياهو. أرادها حرباً إقليمية ترفع أسهمه الانتخابية، فجاءه أتفاق تهدئة إقليمي يخفض أسهمه إلى الحضيض. وهذا بحد ذاته أعتراف إسرائيلي غير مباشر بأن أمن الكيان لم يعد يُصنع في تل أبيب، بل يُناقش في طهران.
هذا هو الجوهر. لماذا تذهب السعودية، الخصم التاريخي لإيران؟ إلى طهران للتوسط؟ لأنها أدركت بعد حرب غزة وحرب لبنان والبحر الأحمر والانتصارات اليمنية حقيقة واحدة. النفوذ الأمريكي لم يعد يحمي، والسلاح الأمريكي لم يعد يردع.
أمريكا عجزت عن حماية سفنها في البحر الأحمر أمام اليمن، وعجزت عن حماية قواعدها في العراق وسوريا، وعجزت عن فرض وقف إطلاق نار في غزة رغماً عن نتنياهو. فمن يملك مفاتيح كل هذه الجبهات؟ طهران.
لذلك، توجه الوفود إلى طهران هو إقرار بأن إيران هي من تقوّض النفوذ الأمريكي في المنطقة عملياً، وهي من أضعفت قدرة إسرائيل على فرض هيمنتها على العرب. لسنوات كانوا يقولون إن إسرائيل هي الشرطي الأمريكي في المنطقة، اليوم انكشف أن الشرطي نفسه يحتاج لمَن يحميه.
وهنا النقطة الأهم التي يريد البعض إغفالها. رغم كل الضغوط، رغم كل محاولات فصل الساحات، أثبتت طهران مرة جديدة أنها لا تترك حلفاءها.
المعلومات المؤكدة من كواليس اللقاء أن الملف اللبناني كان حاضراً بقوة. إيران لم تذهب للحديث عن أمن الخليج فقط. بل قالت بكل وضوح أمام الوفد العربي، لبنان سيكون ضمن أي اتفاق نبرمه.
وأكدت أنها ما زالت متمسكة بما طُرح في المفاوضات السابقة، لا تهدئة شاملة دون وقف الحرب على لبنان، وفرض وقف إطلاق نار حقيقي، وإنسحاب العدو الإسرائيلي الكامل من الجنوب.
هذه ليست مجاملة دبلوماسية. هذه هي عقيدة محور المقاومة، لا نبيع حليفاً من أجل أتفاق. وهذا ما يميز إيران عن أمريكا. أمريكا تبيع حلفاءها في لحظة، أما إيران فتضع ملف لبنان على طاولة التفاوض مع أكبر دولة عربية قبل أي أتفاق.
ما جرى في طهران يعلن ثلاث حقائق استراتيجية.
اولا". إسرائيل التي كانت تريد أن تفرض التطبيع بالقوة والقصف، من المحيط إلى الخليج، وجدت نفسها اليوم معزولة، حتى حلفاؤها العرب الجدد يذهبون للأتفاق مع عدوها.
ثانيا". لم تعد واشنطن هي الوسيط الحصري في المنطقة. الوسيط الجديد هو من يملك أوراق القوة على الأرض، وليس من يملك أوراق العقوبات في البيت الأبيض.
ثالثا". شاء من شاء وأبى من أبى، إيران اليوم هي القوة الإقليمية التي لا يمكن تجاوزها. هي من تفرض شروط التهدئة، وهي من تحمي حلفاءها، وهي من تضع حداً للغطرسة الإسرائيلية.
من مكة أنطلق أتفاق التهدئة، وفي طهران كُتبت شروطه. وهذه هي المعادلة الجديدة للشرق الأوسط. لقد سقط رهان محمد بن سلمان وخذل من الجميع ودخل في مأزق اليمن،فكان حبل نجاته إيران وبشروطها الواضحة من اليمن إلى لبنان محور واحد ضد الكيان وأي مؤامرة تستهدف المحور. فهل ستفهم السلطة في لبنان هذا الأمر ؟
نضال عيسى